منتدى الابداع للثقافة والهوايات

عزيزي الزائر / عزيزتي الزائرة ، يرجى التكرم بتسجيل الدخول إذا كنت عضوا معنا
أو التسجيل إن لم تكن عضو وترغب في الانضمام إلى أسرة المنتدى
سنتشرف بتسجيلك ... شكرا إدارة منتديات الابداع للثقافة والهوايات


منتدى يهتم بكل ما هو مرتبط بالثقافة الجزائرية والعربية والعالمية إضافة الى مختلف الهوايات المتنوعة في جميع المجالات
 
الرئيسيةالرئيسية  البوابةالبوابة  س .و .جس .و .ج  بحـثبحـث  التسجيلالتسجيل  دخول    
منتدى الابداع للثقافة والهوايات
إسم المستخدم : زائر آخر زيارة لك كانت: أخر عضو مسجل: فرح وحيد مواضيعى : ردودى
الرئيسية س و ج المجموعات سجل الزوار اتصل بنا البحث التسجيل تسجيل الخروج

شاطر | 
 

 غزوة بدر الكبرى ، عبر ودروس.

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
شجون الروح



عدد المساهمات : 67
نقاط : 108
السٌّمعَة : 1
تاريخ التسجيل : 31/05/2013
العمر : 28

مُساهمةموضوع: غزوة بدر الكبرى ، عبر ودروس.   الأحد يوليو 28, 2013 12:33 am


غزوة بدر الكبرى


تاريخ هذه الغزوة:
وقعت هذه الغزوة في السابع عشر من شهر رمضان المبارك، منَ السنة الثانية للهجرة، وهي السَّنة التي فرض الله فيها على المسلمين صيام رمضان، وكانت هذه الغزوة بعد الهجرة بسبعة عشر شهرًا.

فشهر رمضان شهر بَدْء القتال الفعلي الكبير ضد الكُفر، وهو شهر بدء الجهاد القتالي المُؤَزَّر، وبدء البُطُولات الإسلاميَّة العُظمَى.

- 1
- عطاء النَّصر

كانت نتائج هذه الغَزْوة العَظِيمة الدَّفعة الأولى مِن عطاءات النَّصر الرَّبَّاني المُؤَزَّر لرسوله والمُؤمنينَ معه، دون أن يكونَ لديهم الوسائل ولا القدرات المادية لاكتساب النَّصر.

لقد كانَ انتصارُ المسلمينَ على عدوهم في هذه المعركة بمثابةِ معجزة رَبَّانيَّة، مَكَّن الله بها إيمان المؤمنينَ، وأعطاهم بها دليلاً ماديًّا مشهودًا على أنَّ النَّصرَ بيد الله، يُعطيه مَن يشاء.

وكان تحقق النَّصر المُؤَزر تنفيذًا لوَعْد سابق، وَعَدَهُ اللهُ رسولَه - صَلَّى الله عليه وسَلَّم.

وقد أبانَ الله هذا الوعد بقوله في سورة "الأنفال"، وهي السورة التي تَعَرَّضَت لأهم أحداث غزوة بدر وعظاتها، والتَّوجيهات الرَّبَّانيَّة المُتَعلقة بالقتال والغنائم: {وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ * لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ} [الأنفال: 7، 8].

إحدى الطَّائفتين: هما العير الحاملة لتجارة قريش منَ الشام، أو النَّفير القادمون من مَكَّة لنجدة العير ومقاتلة مَن يعترضها.

ولا بُدَّ أن يكونَ هذا الوعد قد حصل قبل أن تفلتَ العير منَ المسلمين الذين خرجوا لطلبها واعتراضها وأخذها غنيمةً سهلةً، ولكنَّ الله قد حَقَّقَ الظَّفر بالانتصار على النَّفير، وأبانَ الغايةَ من ذلكَ، وهيَ أن يُحقَّ الحقَّ بكلماته ويقطع دابر الكافرين.

- 2 -
الأسباب الداعية
ترجع الدَّواعي الدَّافعة إلى إقامة معارك قتاليَّة اقتصاديَّة وبشريَّة بينَ المسلمينَ في المدينة ومشركي مَكَّة إلى عدَّة أسباب:

السبب الأول: أنَّ مُشركي مكة أَلْجَؤُوا المهاجرينَ منها إلى المدينة بأنواع منَ الضُّغوط والأَذَى والمُضَايقات المادية والمعنويَّة، وألوان منَ الحرب الباردة إلى ترك بلدهم ومساكنهم فيها وأموالهم.

وهذا الأمر قد جَعَل المهاجرينَ يعانونَ من ضائقات اقتصاديَّة كثيرة، رغم مواساة الأنصار لهم، ومشاطرتهم لهم في أموالهم.

السبب الثاني: الاضطهاد الدِّيني الذي مارَسَهُ مشركو مَكَّة ضد المسلمين، ليعيدوهم إلى الكفر بعد أن هداهمُ الله إلى الإيمان، فقد حاولوا فتنتهم في دينهم بمختلف الوسائل الاضطهاديَّة، وبالحرب الاقتصاديَّة حتَّى ألجؤوهم إلى الهجرة والفرار بدينهم، وترك أموالهم ومساكنهم في مَكَّة ينهبها المشركونَ.

ويُعَبَّر عن هذا السبب بالفتنة في الدِّين.

السبب الثالث: مَكْر مُشرِكي مَكَّة بالرَّسول - صَلَّى الله عليه وسَلَّم - لسجنه أو قَتْله، الأمر الذي أحرجه فأخرجه من مَكَّة بلده مهاجرًا إلى المدينة.

السبب الرابع: أنَّ حالة الحرب قائمةٌ بينَ المسلمينَ في المدينة ومشركي قريش، وهي بأسباب منَ المشركين لا منَ المُسلمينَ.

ومن أمثلة ذلك: إغارة "كرز بن جابر أحد بني محارب بن فهر"، على سرح المسلمينَ في المدينة، وخروج الرَّسول - صَلَّى الله عليه وسَلَّم - في طلبه، فيما يدعى بغزوة بدر الأولى.

السبب الخامس: محاولات تحريض مشركي قريش لمُنَافقي المدينة ومشركيها على قتال الرسول والمسلمينَ، وتهديدهم بأنَّهم سيغزونهم بجميع العَرَب.

روى ابن مَرْدَوَيْه بإسناد صحيح - كما قال ابن حجر في "الفتح" -: أنَّ كُفَّار قريش كتبوا إلى عبدالله بن أُبَيّ وغيره من مُشركي أهل يثرب قبل بدر يهددونهم بإيوائهم النَّبي - صَلَّى الله عليه وسَلَّم - وأصحابه، ويَتَوَعَّدونهم بأنهم سيغزونهم بجميع العرب.

فهمَّ عبدالله بن أُبَي بن سلول ومَن معه من قومه بقتال المسلمين، فأتاهم النَّبي - صَلَّى الله عليه وسَلَّم - فقال لهم: ((ما كادكم أحد بمثل ما كادتكم قريش، يريدون أن يلقوا بأسكم بينكم)).

فَلَمَّا سَمِعوا ذلك عرفوا الحق فتَفَرَّقوا.

وقد بَيَّنَ القرآن الأسباب المُبررة لقيام حرب بين المسلمين ومشركي مَكَّة يباده بها المسلمونَ:

ففي سورة "البقرة" أول سورة نزلت بعد هجرة الرَّسول - صَلَّى الله عليه وسَلَّم - إليها، نجد قول الله - عَزَّ وَجَلَّ - يُخَاطِب المؤمنينَ: {وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ * وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ * فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ * وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ} [البقرة: 190 - 193].
{حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ}؛ أي: حيث قدرتم على أخذهم والظفر بهم.

1 - فقد دلَّ هذا النَّص على أنَّ مُشركي مكة معلنون حربًا مستمرة على المسلمين في المدينة، وهم ينتهزون أيَّة فُرصَة ملائمة للإيقاع بهم، لذلك قال الله - عَزَّ وَجَلَّ - للمسلمين: {وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا}.

وهذا أول سبب: يبرر للمسلمين مبادهة مشركي مكة بالقتال.

2 - وَدَلَّ هذا النَّص على أنَّ مُشركي مكة أخرجوا مُسلميها من بلدهم ومساكنهم وأموالهم، فالمقاصَّة تقتضي معاملتهم بالمثل، لذلك قال الله - عَزَّ وَجَلَّ - للمسلمين: {وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ}.

وهذا هو السبب الثاني الذي يُبَرر للمسلمين مبادهة مشركي مَكَّة بالقتال.

3 - وَدَلَّ إخراج المسلمين من مَكَّة مع حالة الحرب القائمة بينهم وبين مُشركيها أنَّ غرض المشركين فتنة الذين آمنوا عن دينهم، ولَمَّا كانت الفتنة عن دين الله الحق تستتبع سخط الله وعذابه الخالد، كانت أشد منَ القتل حتمًا، فهيَ من كبرى المبررات التي توجب على الذين آمنوا أن يُدَافعوا عن دينهم، ويقاتلوا مَن يريد بالإكراه أن يفتنهم عنه، ما استطاعوا إلى ذلك سبيلاً.

لذلكَ قال الله - عَزَّ وَجَلَّ - في النَّص: {وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ}.
وقال فيه أيضًا: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ}.
أي: وقاتلوهم حتى ينقطع الكافرونَ عن فتنة المسلمين في دينهم انقطاعًا تامًّا، وحتى يكون أمر الدِّين متروكًا لله، لا يتدخل الناس في شأنِه بإكراه، والمبدأ الذي يجب أن يسودَ الناس جميعًا هو أنه: {لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ} [البقرة: 256].

وفتنة المشركين للمسلمين في دينهم هي السبب الثالث الذي يُبَرِّر للمسلمين مبادهة مشركي مَكَّة بالقتال.

هذه الأسباب الثلاثة التي ذَكَرَها هذا النص من سورة البقرة، قد احْتَوَت بعمومها الأسباب الخمسة التي فصلتها آنفًا.

ومع ذلكَ فقد جاء بيان السَّبب المتعلق بالرَّسول خاصَّة في نص خاصٍّ جاء في سورة "الأنفال" التي نزلت بمناسبة غزوة بدر، فقال الله - عَزَّ وَجَلَّ - فيها خطابًا لرسوله - صَلَّى الله عليه وسَلَّم -: {وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ} [الأنفال: 30].

ليثبتوك: أي: ليحبسوك ويسجنوك.

أو يخرجوك: أي: ليحرجوك بمحاولات الحبس أو القتل حتى تخرج على خلاف هواهم وما كانوا قد دَبَّروا من قتل، أو أنَّ إرادة الإخراج قد كانت لدى بعضهم فيكون العطف بـ"أو" على معنى توزيع المرادات الثلاثة على أقسام منهم، وإن استقَرَّ الرأي الغالب بعد ذلك على تدبير قتله جماعيًّا، وتوزيع دمه بين القبائل.

هذه الأسباب تبرر معاملة مشركي مكة بالمثل، ومقاتلتهم لاسترجاع الحق ومنع الفتنة في الدين، واعتراض قوافلهم، ومصادرة أموالهم.

- 3 -

دعوة الرسول - صَلَّى الله عليه وسَلَّم - المسلمين إلى الخروج

كان لا بد من انتهاز الفرص للانتقام من مشركي مكة، وكسر شوكتهم، وتحطيم صلفهم وكبريائهم، وإيقاف عدوانهم على المسلمين وفتنتهم في دينهم، فعلم الرسول - صَلَّى الله عليه وسَلَّم - بأنَّ قافلة تجارية لقريش بقيادة أبي سفيان بن حرب، متجهة إلى الشام من مكة، يحميها نحو أربعين رجلاً، فندب المهاجرين لاعتراضها ومصادرتها بتخيير دون إلزام، فانتدب لهذا الأمر "150" مائة وخمسون منَ المهاجرين الأولين، وقيل: "200" مئتان منهم. وخرج بهم الرسول - صَلَّى الله عليه وسَلَّم - في أواخر جمادى الأولى منَ السنة الثانية للهجرة، وعقد فيها الرسول - صَلَّى الله عليه وسَلَّم - اللواء لعمه حمزة بن عبدالمطلب الأسد الهاشمي المغوار.

وكانوا على ثلاثين بعيرًا يعتقبونها، لكن القافلة كانت قد سبقتهم ومضت في طريقها إلى الشام منذ أيام، ووصلوا "العُشَيْرة من بطن يَنْبُع"، وشاء الله أن تفلت منهم القافلة، وأن يدخر للمسلمين ما هو خير.

ولما سمع الرسول - صَلَّى الله عليه وسَلَّم - باقتراب موعد عودتها بتجارتها الكبيرة بعث من أصحابه: "طلحة بن عبدالله"، و"سعيد بن زيد"، يترصدان قدومها على الطريق، فلما مرت القافلة بهما أسرعا وأبلغا الرسول - صَلَّى الله عليه وسَلَّم - خبر مقدمها، عندئذ ندب الرسول المسلمينَ ندبًا دون إلزام كي يخرجوا لمصادرتها، وكانت قافلة عظيمة، لم يبق أحد من قريش رجالاً ونساءً لم يساهم فيها بنصيب حسب استطاعته.

قالوا: وكان فيها قرابة ألف بعير، وهي محملة بأنواع السلع التجارية، التي تبلغ قيمة شرائها نحوًا من خمسين ألف دينار.

وحين ندب الرسول - صَلَّى الله عليه وسَلَّم - المسلمين للخروج إليها قال لهم: ((هذه عير قريش، فيها أموالهم، فاخرجوا إليها، لعل الله يُنفلكمُوها)) [1].

فانتدبَ منَ المُهَاجرينَ والأنصار مَن خفَّ للأمر ونَشط له، ولم يظن الآخرون الذين لم يخرجوا أن رسول الله - صَلَّى الله عليه وسَلَّم - سيلقى مع مشركي قريش حربًا، أعدُّوا لها جيشًا مستكملاً لما يلزم من عددٍ وعدة ومؤن.

وكان عدد المسلمين الذين انتدبوا لهذا اللقاء "313" ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلاً، أو نحو ذلك: "314" أو "317" أو "319"، والعدد الأخير جاء في "صحيح مسلم" عن عمر بن الخطاب.

وكان فيهم من الخزرج "170"، ومن الأوس "61"، والباقي من المهاجرين.

وكان معهم سبعون بعيرًا وفرسان فقط، أما أحدهما فللزبير بن العوام، وأما الآخر فللمقداد بن عمرو، وكان يقال له: المقداد بن الأسود.

وخرج المنتدبون من المهاجرين والأنصار بقيادة رسول الله - صَلَّى الله عليه وسَلَّم - يومَ الاثنين لثمان ليال خلون من شهر رمضان، ودفع الرسول اللواءَ العام لمصعب بن عمير وكان لواء أبيض.

وقسم الجيش إلى كتيبتين:

1 - كتيبة المهاجرين، ودفع رايتها لعلي بن أبي طالب، وكانت سوداء يقال لها: العقاب.

2 - وكتيبة الأنصار، ودفع رايتها لسعد بن معاذ، وكانت سوداء أيضًا.

وجعل على قيادة الميمنة الزبير بن العوام، وجعل على قيادة الميسرة المقداد بن عمرو، وهما الفارسان الوحيدان في الجيش.

ولقلة الرواحل صار المسلمون يتناوبون الركوب، فيتعاقب الرجلان والثلاثة والأربعة على البعير الواحد، وكان نصيب الرسول - صَلَّى الله عليه وسَلَّم - أن يتعاقب الركوب مع "علي بن أبي طالب" و"مرثد الغنوي" [2] على جملٍ واحد، فقالا: يا رسول الله، نحن نمشي عنك. فقال لهما: ((ما أنتما بأقوى مني، ولا أنا بأغنى عن الأجر منكما)).

لقد أعطى الرسول - صَلَّى الله عليه وسَلَّم - بهذا المثل الكامل للقائد العادل الحكيم الرحيم، الذي لا يُؤثِر نفسَه على جنده بمزية لنفسه أو جسده، ولا يعفي نفسَه من عمل عام يشارك فيه جنوده، ولا يَقبل إيثارًا يمكن أن يفسره سائرُ الجند بالتخصص والتميز.

هكذا فلتكن القيادة، وهكذا فليكن القادة.

وقصد الرسول - صَلَّى الله عليه وسَلَّم - بمن معه من المسلمين بدرًا؛ لأنه مكان صالح لترصد عير قريش القادمة من الشام في طريقها إلى مكة، حتى كان قريبًا من بدر، فنزل بالقوم، وجعل يتحسس أخبار مَقدِم العير.

وبلغ أبا سفيان قائدَ قافلة قريش أن محمدًا والمسلمين معه يترصدون القافلة؛ لمصادرتها والاستيلاء عليها، منذ خروجه بها إلى الشام في أوائل الخريف، فأخذ حذره عند العودة بها من الشام.

واستطاع أبو سفيان أن يدبر خطة ينجي بها القافلة، ويبتعد بها عن المواطن التي يحتمل أن تكون مواطن ترصد، ويدعو بها قريشًا لحماية القافلة وإنقاذها قبل فوات الأوان.

وقد اشتمل تدبيره على أمرين فيهما حذر ودهاء:

الأمر الأول: أنه استأجر ضمضم بن عمرو الغفاري، فبعثه مسرعًا إلى مكة، يخبر قريشًا بأن محمدًا وجيشًا من المسلمين قد خرجوا لمصادرة القافلة، ويطلب منهم الخروج لحماية قافلتهم وإنقاذها.

الأمر الثاني: أنه لما أحس بقرب جيش المسلمين من قافلته انحرف بها، وغيَّر طريقه، ومشى في ساحل البحر، تاركًا مكانَ بدرٍ على يساره، وكانت بدر محل تجمع جيش المسلمين، وأسرع في المسير ونجا بالقافلة.

لما خرج الرسول - صَلَّى الله عليه وسَلَّم - يوم بدر دعا للذين خرجوا معه ربَّه أن يحملهم ويكسوهم ويشبعهم، ففتح الله له واستجاب دعاءه.

روى أبو داود بإسناد حسن عن عبدالله بن عمرو أن النبي - صَلَّى الله عليه وسَلَّم - خرج يوم بدر في ثلاثمائة وخمسة عشر، وقال: ((اللهم إنهم حفاة فاحملهم، اللهم إنهم عراة فاكسهم، اللهم إنهم جياع فأشبعهم)) ففتح الله له، فانقلبوا وما منهم رجل إلا رجع بجمل أو جملين، واكتسوا، وشبعوا.

- 4 -

تحسُّس المترصِّد، وتحسُّس الحذر

1- خرج من المسلمين رجلان، هما: "بسبس بن عمرو" و"عدي بن أبي الزغباء" يتحسسان الأخبار، ومضيا حتى نزلا بدرًا، فأناخا إلى تل قريب من الماء، ثم أخذا شنًّا لهما "زقًّا باليًا" يستقيان فيه، فسمعا جاريتين من جواري القوم النازلين على الماء، تُطالب إحداهما الأخرى بحق لها عندها، وتخاصمها في ذلك.

فقالت التي عليها الحق: إنما تأتي العير غدًا أو بعد غد، "تعني عير قريش" فأعمل لهم، ثم أقضيك الذي لك. وكان مجدي بن عمرو الجهني على الماء، فقال لها: صدقتِ، ثم أصلح بينهما، فتلقف المتحسِّسان من المسلمين "بسبس وعدي" ما سمعاه، وركبا بعيريهما، وانطلقا حتى أتيا رسول الله - صَلَّى الله عليه وسَلَّم - فأخبراه بما سمعا.

2- وأقبل أبو سفيان بن حرب قائد عير قريش، وتقدم العير حذرًا، حتى ورد الماء نفسه، فقال لمجدي بن عمرو: هل أحسست أحدًا؟ فقال: ما رأيت أحدًا أنكره، إلا أنني قد رأيت راكبين قد أناخا إلى هذا التل، ثم استقيا في شن لهما، ثم انطلقا. فأتى أبو سفيان مناخَهما، فأخذ من أبعار بعيريهما، ففتَّه فإذا فيه نوى التمر، فقال: هذه والله علائف يثرب. فرجع إلى أصحابه سريعًا، فضرب وجهَ عيرِه عن الطريق، فأخذ بها إلى جهة ساحل البحر، وترك بدرًا بيسار، وانطلق مسرعًا، ونجا بالعير، ولم يعثر المسلمون على أثر لعير قريش.

3- فركب الرسول - صَلَّى الله عليه وسَلَّم - بنفسه، ومعه أبو بكر يتحسس الأخبار، حتى وقف على شيخ من العرب يقال له: "سفيان الضمري"، فسأله الرسول عن قريش، وعن محمد وأصحابه، وما بلغه عنهم؟ فقال الشيخ: لا أخبركما حتى تخبراني ممن أنتما؟ فقال رسول الله - صَلَّى الله عليه وسَلَّم -: إذا أخبرتنا أخبرناك. قال الشيخ: أذاك بذاك؟ قال: نعم.

قال الشيخ: فإنه بلغني أن محمدًا وأصحابه خرجوا يوم كذا وكذا، فإن كان صدق الذي أخبرني، فهم اليوم بمكان كذا وكذا، للمكان الذي به رسول الله - صَلَّى الله عليه وسَلَّم - وأصحابه الذين خرجوا معه.

وبلغني أن قريشًا خرجوا يوم كذا وكذا، فإن كان الذي أخبرني صدقني، فهم اليوم بمكان كذا وكذا، للمكان الذي به قريش.

فلما فرغ من خبره قال: ممن أنتما؟

فقال رسول الله - صَلَّى الله عليه وسَلَّم -: نحن مِن ماء، ثم انصرف عنه مع أبي بكر.

فجعل الأعرابي الشيخ يقول: ما مِن ماء؟ أمِنْ ماء العراق؟

ورجع رسول الله - صَلَّى الله عليه وسَلَّم - إلى أصحابه.

4- فلما أمسى رسول الله - صَلَّى الله عليه وسَلَّم - بعث نفرًا من أصحابه إلى ماء بدر يتحسسون له الأخبار، فيهم "علي بن أبي طالب" و"الزبير بن العوام" و"سعد بن أبي وقاص"، فوجدوا عند ماء بدر راويةً "وهي الإبل التي يستقى عليها الماء" لقريش، فيها "أسلم" غلام بني الحجاج، و"عريض أبو يسار" غلام بني العاص بن سعيد، فأتوا بهما، فسألوهما ورسول الله - صَلَّى الله عليه وسَلَّم - قائم يصلي؟

فقالا: نحن سقاة قريش، بعثونا نسقيهم من الماء.

فكَرِه القوم خبرَهما، ورجوا أن يكونا لأبي سفيان، فضربوهما، فلما أذلقوهما "أي: بالغوا في ضربهما" قالا: نحن لأبي سفيان، فتركوهما.

وركع رسول الله - صَلَّى الله عليه وسَلَّم - وسجد سجدتَيْه، ثم سلم وقال: ((إذا صدقاكم ضربتموهما، وإذا كذباكم تركتموهما، صدقا والله، إنهما لقريش)).

ثم قال الرسول لهما: ((أخبراني عن قريش؟)).

قالا: هم والله وراء هذا الكثيب الذي ترى بالعدوة القصوى.

فقال لهما: ((كم القوم؟)).

قالا: كثير.

قال: ((ما عدتهم؟)).

قالا: لا ندري.

قال: ((كم ينحرون كل يوم؟)).

قالا: يومًا تسعًا، ويومًا عشرًا.

فقال الرسول - صَلَّى الله عليه وسَلَّم -: ((القوم فيما بين التسعمائة والألف)).

ثم قال لهما: ((فمَن فيهم من أشراف قريش؟)).

قالا: "عتبة بن ربيعة" و"شيبة بن ربيعة" و"أبو البختري بن هشام" و"حكيم بن حزام" و"نوفل بن خويلد" و"الحارث بن عامر بن نوفل" و"طعيمة بن عدي بن نوفل" و"النضر بن الحارث" و"زمعة بن الأسود" و"أبو جهل بن هشام" و"أمية بن خلف" و"نبيه ومنبه ابنا الحجاج" و"سهيل بن عمرو" و"عمرو بن عبد وُد".

فأقبل رسول الله - صَلَّى الله عليه وسَلَّم - على الناس فقال: ((هذه مكة قد ألقتْ إليكم أفلاذَ كبدها)).

وتحقق الرسول - صَلَّى الله عليه وسَلَّم - والمسلمون معه أن قافلة العير أفلتت، وأنهم إن أرادوا لقاء عدوهم، فإنه ملاقون حربًا مع جيش قريش، وأنهم سيواجهون النفير، بعد أن نجت منهم العيرُ، وكان هذا خلاف ما كانوا يَودون وهو ما ذكَره الله بقوله في سورة "الأنفال": {وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ * لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ} [الأنفال: 7، 8].

فأبان الله بهذا أنهم كانوا يودون الظفر بالقافلة غير ذات الشوكة، لكن الله يريد شيئًا آخر، هو أن يُظفِر المؤمنين القلة بالانتصار على جيش قريش، كاملَ العدد والعدة؛ ليُحق الحق بكلماته التي ينصر بها أولياءه على أعدائه، ويقطع بها دابر الكافرين في هذه المعركة التي تقوم في بدر بين المسلمين القلة ومشركي مكة، ولتكون مقدمة لإحقاق الحق كله الذي بعث به محمدًا نبيَّه ورسوله للناس أجمعين، وإبطال الباطل كله الذي ينصره المجرمون كل المجرمين في الأرض، ولو كرهوا ذلك وقاوموه بكل ما يستطيعون من قوة وحيلة.

وللدلالة على هذا المعنى الثاني قال الله - عَزَّ وَجَلَّ -: {لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ} بعد قوله في الآية السابقة: {وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ}.
-5 -

رؤيا عاتكة بنت عبدالمطلب في مكة [3]

ورأت عاتكة بنت عبدالمطلب، قبل قدوم ضمضم بن عمرو الغفاري مكةَ بثلاث ليالٍ لإبلاغ قريش رسالة أبي سفيان إليهم في شأن العير، رؤيا أفزعتها، فبعثت إلى أخيها العباس بن عبدالمطلب، فقالت له: يا أخي، والله لقد رأيت الليلة رؤيا أفظعتني "أي: جعلتني أشهر بأن أمرًا فظيعًا شنيعًا خطيرًا سيحدث لأهل مكة"، وتخوفتُ أن يدخل على قومك منها شرٌّ ومصيبة، فاكتم عني ما أحدِّثك به.

فقال لها العباس: وما رأيتِ؟

قالت: رأيت راكبًا أقبل على بعير له، حتى وقف بالأبطح، ثم صرخ بأعلى صوته: ألا انفروا يا لغُدُر لمصارعكم في ثلاث.

يا لغدر: أي: يا أهل غدر، وغُدُر بضم الغين والدال جمع غدور.

قالت: فأرى الناس اجتمعوا إليه.

ثم دخل المسجد والناس يتبعونه، فبينما هم حوله مثل به بعيرُه على ظهر الكعبة، ثم صرخ بمثلها: ألا انفروا يا لغدر لمصارعكم في ثلاث.

ثم مثل به بعيره على رأس أبي قبيس "هو جبل أبي قبيس المشرِف على الحرم المكي من جهة الصفا" فصرخ بمثلها.

ثم أخذ صخرة فأرسلها، فأقبلت تهوي، حتى إذا كانت بأسفل الجبل ارفضت، فما بقي بيت من بيوت مكة، ولا دار إلا دخلتْها منها فلقةٌ.

قال العباس: والله إن هذه لرؤيا، وأنتِ فاكتميها، ولا تَذكُريها لأحد.

ثم خرج العباس فلقي الوليد بن عتبة بن ربيعة، وكان له صديقًا، فذكرها له، واستكتمه إياها.

فذكرها الوليد لأبيه عتبة، ففشا الحديثُ بمكة، حتى تحدثت به قريش في أنديتها.

قال العباس: فغدوت لأطوف بالبيت، وأبو جهل بن هشام في رهط من قريش قعود يتحدثون برؤيا عاتكة، فلما رآني أبو جهل قال: يا أبا الفضل، إذا فرغت من طوافك فأقبلْ إلينا، فلما فرغتُ أقبلت حتى جلست معهم، فقال لي أبو جهل:

يا بني عبدالمطلب، متى حدثت فيكم هذه النبية؟

قال: قلت: وما ذاك؟

قال: تلك الرؤيا التي رأت عاتكة.

قال: فقلت: وما رأت؟

قال: يا بني عبدالمطلب، أما رضيتم أن يتنبَّأ رجالكم، حتى تتنبأ نساؤكم؟! قد زعمت عاتكة في رؤياها أنه قال: انفروا في ثلاث، فسنتربص بكم هذه الثلاث، فإن يك حقًّا ما تقول، فسيكون، وإن تمضِ الثلاث ولم يكن من ذلك شيء، نكتبْ عليكم كتابًا أنكم أكذب أهل بيت في العرب.

قال العباس: فوالله ما كان مني إليه كبير، إلا أني جحدتُ ذلك، وأنكرت أن تكون رأت شيئًا، ثم تفرقنا.

فلما أمسيت لم تبقَ امرأة من بني عبدالمطلب إلا أتتني، فقالت: أقررتم لهذا الفاسق الخبيث أن يقع في رجالكم، ثم قد تناول النساء وأنت تسمع، ثم لم يكن منك غَيْرٌ "أي تغير وإنكار" لشيء مما سمعتَ!!

قال العباس: فقلت: قد والله فعلت، ما كان مني إليه من كبير، وايم الله لأتعرضن له، فإن عاد لأكفينكنه.

قال: فغدوت في اليوم الثالث من رؤيا عاتكة، وأنا حديد مغضب، أرى أني قد فاتني منه أمرٌ أحب أن أدركه منه.

فدخلت المسجد فرأيته، فوالله إني لأمشي نحوه أتعرضه؛ ليعود لبعض ما قال فأقع به، وكان رجلاً خفيفًا، حديد الوجه، حديد اللسان، حديد النظر.

إذ خرج نحو باب المسجد يشتد، فقلت في نفسي: ما له لعنه الله، أكل هذا فَرَق مني أن أشاتمه؟!

وإذا هو قد سمع ما لم أسمع: صوت ضمضم بن عمرو الغفاري، وهو يصرخ ببطن الوادي، واقفًا على بعيره.

- 6 -

ضمضم بن عمرو الغفاري وإيصاله رسالة أبي سفيان إلى قريش

حمل ضمضم بن عمرو الغفاري رسالةَ أبي سفيان إلى قريش، وركب بعيرَه مسرعًا إلى مكة، فلما وصل مكة جدع أنفَ بعيرِه، وحوَّل رحلَه، وشقَّ قميصة، وأخذ يصرخ ببطن الوادي:

يا معشر قريش، اللطيمةَ.

تطلق اللطيمة ويراد منها العير المحملة بُرًّا وطيبًا ونحو ذلك، ولا يقال للعير لطيمة ما لم تكن محملة تجارة وأموالاً.

ثم قال: أموالكم مع أبي سفيان قد عَرَض لها محمدٌ في أصحابه، لا أرى أنكم تستطيعون إدراكها، الغوثَ الغوث.

مشركو مكة يتجهزون للخروج لإنقاذ أموالهم ويخرجون

لما سمع مشركو مكة رسالةَ أبي سفيان على لسان ضمضم تجهزوا للحرب سِراعًا، وأوعبوا، وكانوا بين رجلين: إما خارج بنفسه في النفير، وإما باعث مكانه رجلاً.

لم يتخلف من أشراف قريش أحدٌ إلا أبا لهب بن عبدالمطلب، فإنه بعث مكانه العاصي بن هشام بن المغيرة.

وحاول "أمية بن خلف" أن يتخلف، وكان شيخًا جسيمًا ثقيلاً، فأتاه "عقبة بن أبي معيط" وهو جالس في المسجد بين ظهراني قومه، بمجمرة يحملها، فيها نار وعود يتبخر به، حتى وضعها بين يديه، ثم قال: يا أبا علي، استجمر؛ فإنما أنت من النساء.

قال له: قبحك الله، وقبح ما جئت به!

ثم تجهز وخرج مع الناس.

ولم يَبقَ من قريش بطنٌ إلا نَفَرَ منه ناسٌ، باستثناء بني عدي بن كعب، لم يخرج منهم رجل واحد.

خرجت قريش في أكثر من ألف مقاتل بقيادة أبي جهل بن هشام، وكانوا مجهزين بكل ما استطاعوا من عدة للقتال ومؤن ووسائل ترف ولهوٍ، ومعهم الخمور والمغنيات والمعازف، وفي نفوسهم الصلف والكبر والبطر، والرغبة بمراءاة الناس قوتَهم ومكانتهم، حتى تدومَ لهم الهيبةُ في نفوس العرب.

وقد وصف الله حالةَ قريش هذه للمؤمنين، إذ يعظهم بقوله لهم في سورة "الأنفال": {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ * وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَاللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ} [الأنفال: 46، 47].

{فَتَفْشَلُوا}: فتضعفوا. والفشل في اللغة: الضعف والكسل والتخاذل.

{وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ}: الريح الدولة، والغلبة، والقوة، والنصرة.

{بَطَرًا}: البَطَر هو الطُّغيان بالنِّعمة، وكراهية الشَّيء من غير أن يستحقَّ الكراهية، وفعلُه: بَطِر يَبطَر، كفَرِح يَفرَح.




وسارَ جيش قريش إلى جهة بدر على الطريق الذي يحتمل أن يعترضَ المسلمون فيه قافلتهم، ومروا في طريقهم على منازل الغفاريين، فبعث "خُفاف الغفاري" أو أبوه "أَيْمَاء الغفاري" إلى قريش حين مَرُّوا بمنازله ابنًا له يحمل لهم ذبائح قد أهداها لهم.

وقال لهم: إن أحببتم أن نمدكم بسلاح ورجال فعلنا.

فأرسلوا إليه مع ابنه: أن وَصَلَتْك رَحِمٌ قد قضيت الذي عليك، فلعمري لئن كنَّا إنَّما نقاتِل الناس فما بنا من ضعف عنهم، ولئن كنا إنما نقاتل الله - كما يزعم محمد - فما لأحد بالله من طاقة.




وتابع جيش مُشركي قريش مسيرهم حتى نزلوا قرب بدر، وكان منزلهم بالعدوة القصوى من الوادي وراء كثيب الرمل، أما الآبار إلى ماء بدر فتقع في العدوة الدُّنيا الأقرب إلى المدينة إلى جهة منزل المسلمين.

ولَمَّا رأى أبو سفيان أنه قد نجا بالعير وأوصلها إلى مأمنها، أرسل إلى قريش يقول لهم: إنكم إنما خرجتم لتمنعوا عيركم ورجالكم وأموالكم، فقد نجاها الله فارجعوا.

فقال أبو جهل بن هشام قائد جيش قريش يومئذٍ: والله لا نرجع، حتى نرد بدرًا - وكان بدر موسمًا من مواسم العرب يجتمع لهم به سوق كل عام - فنقيم عليه ثلاثًا، فننحر الجزر ونطعم الطعام، ونسقي الخمر، وتعزف علينا القيان[4]، وتسمع بنا العرب وبمسيرنا وجمعنا، فلا يزالونَ يهابُونَنَا أبدًا بعدها، فامضوا.

وقال الأخنس بن شريق الثَّقَفي لبني زهرة إذ كان حليفًا لهم: يا بني زُهرة، قد نَجَّى الله لكم أموالكم، وخَلَّص لكم صاحبكم "مخرمة بن نوفل"؛ وإنما نفرتم لتمنعوه وماله، فاجعلوا لي جبنها وارجعوا، فإنه لا حاجة لكم بأن تخرجوا في غير منفعة، لا ما يقول هذا، يعني: أبا جهل.




فرجعوا فلم يشهد معركةَ بدر زهريٌّ واحد، لقد أطاعوه وكان فيهم مُطاعًا، ولما جرى لقريش ما جرى بعدُ في بدر اغتبطت بنو زهرة برأي الأخنس، فلم يزل فيهم معظَّمًا مطاعًا.




وجرى حوار بين طالب بن أبي طالب وبين بعض قريش، فقالوا له: والله لقد عرَفنا يا بني هاشم - وإن خرجتم معنا - أن هواكم لمع محمد، فرجع طالب إلى مكة مع مَن رجع ولم يشهد بدرًا.

- 7 -

لقاء على غير ميعاد

من عجيب التلاقي الذي رسمه القضاء والقدر، والذي تم دون تواعد بين المسلمين ومشركي قريش - أن تتجه المسيرتان المؤمنة والكافرة تِلقاء مكان بدر.

هذه خارجة من المدينة قصدها مصادرة العير، لا مواجهة النفير، وتلك قصدها نجدة القافلة التي نجت فعلاً بتحويل خط المسير، ليقضي الله أمرًا كان مفعولاً.

واستمرت المسيرتان تتقاربان دون أن يعلم كلٌّ منهما بالآخر، حتى كان كل منهما قريبًا من ماء بدر، هذه المؤمنة في العُدوة الدنيا من جهة المدينة، والدنيا إلى ماء بدر، وهذه الكافرة في العدوة القصوى عن ماء بدر إلى جهة مكة، وركب العير قد انشمر إلى أسفل، مبتعدًا عن المسلمين إلى جهة مكة، ظافرًا بالنجاة من طالبيه المسلمين.

وفي بيان ذلك قال الله - عَزَّ وَجَلَّ - في سورة "الأنفال" يخاطب المؤمنين: {إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا وَهُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَى وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَلَوْ تَوَاعَدْتُمْ لَاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعَادِ وَلَكِنْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ} [الأنفال: 42].

{العُدْوَة}: هي من الوادي شاطئُه وطرفه، وهي المكان المرتفع، وتجمع على: "عِدَاء" و"عَدَيَات".

- 8 -

الرسول - صَلَّى الله عليه وسَلَّم - يستشير أصحابه

عَلِم رسول الله - صَلَّى الله عليه وسَلَّم - بإفلات القافلة ونجاتها، وبخروج جيش قريش ليتصدَّى للرسول ومَن معه مِن المسلمين، فرأى بحكمته القيادية العظيمة أن لا يبت بأمر الاصطدام الحربي مع قريش، حتى يستشير الذين خرجوا معه مِن المسلمين، وقد كان خروجهم لمصادرة العِير، لا لمقاتلة النفير القادمين من مكة بكِبْرهم وخيلائهم، وعددهم وعدتهم، رغم أن الله - عَزَّ وَجَلَّ - قد وَعَدَه إحدى الطائفتين بالظفر بها أو عليها، وإذ قد أفلتت طائفة العير، فقد تعيَّن أن الوعد مقصودٌ منه طائفةُ النفير.

إنه لَموقف محرج للقائد، ولكنَّ عرْضَ الأمر على جمهور القوم، واستشارتَهم فيه هو السبيل الحكيم للخلاص منه، وإلقاء تبعته ومسؤولياته على الذين سيتحملون بأنفسهم أعباءَ القتال وما يستتبعه.

فجمع الرسول - صَلَّى الله عليه وسَلَّم - المسلمين الذين خرجوا معه، وعَرَضَ عليهم الموقفَ العام الذي هم فيه، وأبان لهم أن العير التي خرجوا إليها قد أفلتتْ، وأنهم الآن في مواجهة جيش مستعدٍّ للقتال، وقال لهم: ((أشيروا عليَّ أيها الناس)).

فقام أبو بكر - رضي الله عنه - فقال وأحسَنَ القولَ، وأعلن الاستعداد لمواجهة العدو ومقاتلته، إذا رأى الرسولُ - صَلَّى الله عليه وسَلَّم - ذلك.

ثم قام عمرُ - رضي الله عنه - فقال وأحسن القول، وأعلن الاستعداد الكامل لتنفيذ ما أراه الله.

ثم قام المقداد بن عمرو فقال: "يا رسول الله، امضِ لما أراك اللهُ، فنحن معك، والله لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى: {فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلاَ إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ} [المائدة: 24]؛ ولكن: اذهبْ أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون، فوالذي بعثك بالحق لو سرت بنا إلى بِرْك الغِمَاد، لجالدنا معك مَن دونه حتى تبلغه".

فقال له رسول الله - صَلَّى الله عليه وسَلَّم - خيرًا، ودعا له بخير.

برك الغماد: موضع بناحية اليمن، وقيل: هو أقصى حجر، وهو موضع كان يصعب الوصول إليه يومئذ.

وأبو بكر وعمر والمقداد كلهم من المهاجرين - رضي الله عنهم.

وكرِه فريق من المؤمنين الذين خرجوا مع الرسول يومئذٍ مقاتلةَ جيش قريش، ورأوا أنهم لا قِبَل لهم بمواجهة عدوِّهم، وأنهم متورطون في معركة انتحارية، فكأنهم يُساقون إلى الموت وهم ينظرون، وجعل بعضهم يجادل رسولَ الله - صَلَّى الله عليه وسَلَّم - في قضية عدم التكافؤ بين الفريقين، وقد أعلمهم الرسولُ بوعد الله له بالنصر، فتبيَّن لهم الحقُّ بمقتضى إيمانهم بالله وبصدق الرسول، لكن فارق القوة المادية أقلق نفوسَهم، وأزاغ أبصارَهم.

ولئن سكتتْ رواياتُ السيرة عن ذِكر حال هذا الفريق من المؤمنين، فإن الله - عَزَّ وَجَلَّ - قد أثبتَه في كتابه؛ ليبقى مثلاً لمن يأتي بعدهم من المؤمنين، وليعلموا أن فريقًا من أهل بدر قد حصل منهم كراهيةُ لقاء العدو، ومجادلةُ الرسول في لقائهم، فكأنهم يساقون إلى الموت وهم ينظرون، فقال الله - عَزَّ وَجَلَّ - في سورة "الأنفال" خطابًا لرسوله: {كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ * يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَمَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ} [الأنفال: 5، 6].

ويريد الرسول - صَلَّى الله عليه وسَلَّم - أن يسمع من الأنصار، بعد أن سمع أقوال كبار المهاجرين، فقال مشعرًا بتكرير طلب المشورة عن مراده: ((أشيروا عليَّ أيها الناس)).

وإنما يريد الرسول بهذا الخطابِ الأنصارَ؛ لأن عددهم هو العدد الأكثر في الذين خرجوا معه إلى بدر، ولأن الأنصار حين بايعوه بالعقبة قالوا: يا رسول الله، إنَّا بُرآء من ذمامك حتى تصل إلى ديارنا، فإذا وصلتَ إلينا فأنت في ذمتنا، نمنعك مما نمنع منه أبناءنا ونساءنا.

فكان رسول الله - صَلَّى الله عليه وسَلَّم - يتخوف ألاَّ تكون الأنصار ترى عليها نصره، إلا ممَّن دهمه بالمدينة من عدوه، وأن ليس عليهم أن يسير بهم إلى عدو خارج ديارهم.

فلما قال ذلك رسول الله - صَلَّى الله عليه وسَلَّم، قال له سعد بن معاذ: "والله لكأنك تريدنا يا رسول الله!".

قال: ((أجل)).

قال سعد: "قد آمنا بك وصدَّقناك، وشهدْنا أن ما جئت به هو الحق، وأعطيناك على ذلك عهودَنا ومواثيقنا على السمع والطاعة، فامضِ يا رسول الله لما أردت، فنحن معك، فوالذي بعثك بالحق، لو استعرضتَ بنا هذا البحرَ، فخضته، لخضناه معك، ما تخلَّف منا رجل واحد، وما نكره أن تلقى بنا عدوَّنا غدًا، إنا لَصُبُر في الحرب، صُدُق في اللقاء، لعل الله يريك منا ما تقر به عينك، فسِرْ بنا على بركة الله".

لصبر في الحرب: أي لصابرون في الحرب، قال أهل اللغة: الصبر نقيض الجزع، صبر يصبر صبرًا، فهو صابر وصبَّار، وصبير وصبور، والأنثى صبور أيضًا بغير هاء، وجمعه صُبُر.

صدق في اللقاء: أي ثابتون صامدون، وهو جمع، مفرده صَدْق، بفتح الصاد وسكون الدال، والصَّدْق هو الثبْت في اللقاء، والجمع صدق.

إنها خطبة رائعة خطبها سعد، أثلجت قلبَ الرسول - صَلَّى الله عليه وسَلَّم، وسرَّتْه، ونشطته.

ثم قال الرسول - صَلَّى الله عليه وسَلَّم -: ((سيروا، وأبشروا؛ فإن الله تعالى قد وعدني إحدى الطائفتين، والله لكأني الآن أنظر إلى مصارع القوم)).

- 9 -

ليلة العزم على القتال

استوثق الرسول - صَلَّى الله عليه وسَلَّم - من عزم أصحابه الذين خرجوا معه للعير، على الاستجابة لمواجهة عدوهم، رغم كثرة عددهم وعدتهم، ثقةً بوعد الله لهم بالنصر، وابتغاء مرضاته، وطلبًا لجنته، ورغبة في الاستشهاد في سبيله.

فعزم على الارتحال بهم، والنزول عند ماء بدر في الوادي، حيث المكان الصالح عسكريًّا للقاء العدو في معركة قتالية.

وبات المسلمون ينتظرون أمرَ الرسول لهم بالارتحال، وقد رأوا أنهم مواجهون جيشَ قريش لا محالة، فألقى الله عليهم النعاس، أَمَنَةً منه؛ حتى لا يكون التفكير في القتال مقلقًا لهم، مضعِفًا لقواهم، شادًّا لأعصابهم، إلا أنهم كانوا في قلة من الماء.

فباتوا ليلتهم نائمين، مستغرقين في نومهم، منقطعين عن كل تفكير بما هم عليه قادمون، وما هم له ملاقون؛ ليلاقوا عدوهم وهم بكامل قواهم الجسدية، وكان هذا معونةً من الله لهم، حتى أصبح كثير منهم في حالة جنابة؛ دليلاً على أنهم باتوا ونفوسُهم مطمئنةٌ، فارغة مما يقلقها.

وأصبحوا بحاجة شديدة إلى الماء، ظماء، ويريدون أن يتطهروا للصلاة بالاغتسال من الجنابة أو بالوضوء، فوسوس الشيطان لبعضهم: إنكم تزعمون أنكم أولياء الله، ومعكم رسوله، وأنتم لا تجدون ماءً تتطهرون به لصلاتكم، ولا ماءً تشربونه؟!

فبعث الله مطرًا من السماء، حتى سال الوادي، فشربوا، وتطهروا، وملؤوا منه أسقيتَهم، وكان من معونة الله لهم في هذا المطر، أنْ كان سببًا لأمرين:

الأمر الأول: أن الأرض تلبَّدت بالماء من جهتهم؛ إذ كان الوادي من جهتهم دهسًا "أي: لينًا بين التراب والرمل، إذا أصابه الماء تلبد".

فسهل ذلك لهم الحركة، وثبت به أقدامهم؛ حتى لا تغوص في الرمل والتراب اللين، ويسر لهم الانتقال إلى ماء بدر بسرعة.

الأمر الثاني: أن الحال كان على عكس ذلك بالنسبة إلى جيش قريش؛ فقد استوحلت الأرض من جهتهم بالأمطار، فعاقتهم عن التحرك السريع، والانتقال إلى ماء بدر.

وامتنَّ الله على المسلمين في معركة بدر بالنُّعاس وبالمطر، فقال - عَزَّ وَجَلَّ - في سورة "الأنفال": {إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ} [الأنفال: 11].

1- فكان النعاس؛ لإلقاء الأمن في نفوسهم، وصرف القلق عنهم.

2- وكان مطر السماء الذي أنزله الله:

أ- مطهِّرًا لمن كان بحاجة إلى الطهارة للصلاة.

ب- ومُذهِبًا رجزَ الشيطان، والمراد من الرجز هنا: أقذاره ووساوسه.

جـ- ومقويًّا لقلوبهم، ورابطًا عليها برباط الثقة بالله، وبأنه مؤيدهم.

د- ومثبتًا لأقدامهم على الأرض التي لبَّدها لهم.

يتبع .../...
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
شجون الروح



عدد المساهمات : 67
نقاط : 108
السٌّمعَة : 1
تاريخ التسجيل : 31/05/2013
العمر : 28

مُساهمةموضوع: غزوة بدر الكبرى ، عبر ودروس .   الأحد يوليو 28, 2013 12:45 am

- 10 -

ارتحال الرسول بالمسلمين شطر ماء بدر

وأذَّن المنادي بالنهوض والارتحال، وارتحل الرسول بالمسلمين تجاه ماء بدر؛ ليكونوا عند الماء يشربون منه كلما احتاجوا إليه، وليكونوا حيث المكان الصالح لقتال العدو.

وكانت القُلُب[5] "الآبار" ببدر في العدوة الدنيا إلى المدينة من بطن الوادي.

وسار جيش المسلمين، وحط الرسول رحاله عند أدنى ماء من بدر، وحط المسلمون رحالهم في هذا المنزل، وكان ذلك عشاء من ليلة الجمعة السابع عشر من شهر رمضان.

- 11 -

الحُبَاب بن المنذر يشير على الرسول - صَلَّى الله عليه وسَلَّم - بمنزل آخر

فأقبل الحباب بن المنذر بن الجموح، وكان صاحب رأي حصيف، وخبرة في الحرب، فقال: "يا رسول الله، أرأيت هذا المنزل؟ أمنزلاً أنزلكه الله، ليس لنا أن نتقدمه، ولا نتأخر عنه؟ أم هو الرأي والحرب والمكيدة؟".

فقال رسول الله - صَلَّى الله عليه وسَلَّم -: ((بل هو الرأي والحرب والمكيدة)).

فقال الحباب: "فإن هذا ليس بمنزل، فانهض بالناس حتى نأتي أدنى ماء من القوم، فننزله، ثم نغوِّر "أي: ندفن ونطمس" ما وراءه من القلب "الآبار"، ثم نبني عليه حوضًا، فنملؤه ماء، ثم نقاتل القوم، فنشرب ولا يشربون".

قال رسول الله - صَلَّى الله عليه وسَلَّم -: ((لقد أشرتَ بالرأي)).

فنهض رسول الله - صَلَّى الله عليه وسَلَّم - ومَن معه من الناس، فسار حتى إذا أتى أدنى ماء من القوم نزل عليه، ثم أمر بالقلب "الآبار" الأخرى فغُوِّرتْ "طُمست"، وبنى حوضًا على القليب الذي نزل عليه، فمُلئ ماء، ثم قذفوا فيه الآنية؛ ليشرب جند المسلمين، وكان هذا العمل ليلاً.

وأعطى الرسول بهذا مثلَ القائد الحكيم، الذي لا يستكبر عن قبول مشورة جاءت على خلاف ما كان قد رأى ونفذ، ما دام الوقت صالحًا للتغيير إلى ما هو أحسن، ولا يكبر عنده أن يرى أحدُ جنوده أحسنَ من رأيه، ويتبع الرأي الأحسن.

- 12 -

سعد بن معاذ يشير ببناء عريش للرسول

وأقبل سعد بن معاذ إلى رسول الله - صَلَّى الله عليه وسَلَّم - فقال: يا نبي الله، ألاَ نَبني لك عريشًا، تكون فيه، ونعد عندك ركائبَك، ثم نلقى عدوَّنا، فإن أعزَّنا الله وأظهرنا على عدونا، كان ذلك ما أحببنا، وإن كانت الأخرى، جلستَ على ركائبك، فلحقتَ بمَن وراءنا، فقد تخلَّف عنك أقوامٌ، يا نبي الله، ما نحن بأشدَّ لك حبًّا منهم، ولو ظنوا أنك تلقى حربًا ما تخلَّفوا عنك، يَمنعك الله بهم، يناصحونك، ويجاهدون معك؟!

فأثنى عليه رسول الله - صَلَّى الله عليه وسَلَّم - خيرًا، ودعا له بخير.

ثم بُني لرسول الله - صَلَّى الله عليه وسَلَّم - عريشٌ، وفق مشورة سعد بن معاذ، فكان فيه، وهو بمثابة "غرفة القيادة" أو "غرفة العمليات" و"الإدارة الحربية" في المصطلحات الحديثة.

وكان مع الرسول في العريش أبو بكر - رضي الله عنه - لحراسته، ليس معه غيره فيه.

وقف سعد بن معاذ متوشحًا سيفه في نفَر من الأنصار، على باب العريش، يحرسون الرسول - صَلَّى الله عليه وسَلَّم - حتى لا يدنو أحد من العريش.

وقد أشاد علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - بشجاعة أبي بكر - رضي الله عنه - مستشهدًا بما كان من أبي بكر في قصة حراسة الرسول في عريش بدر.

جاء في مسند البزار[6] أن عليًّا - رضي الله عنه - خطب الناس فقال: "يا أيها الناس، من أشجع الناس"؟

قالوا: أنت يا أمير المؤمنين.

فقال: "أما إني ما بارزت أحدًا إلا انتصفت [7] منه، ولكن هو أبو بكر، إنا جعلنا للنبي - صَلَّى الله عليه وسَلَّم - عريشًا، فقلنا: من يكون مع رسول الله - صَلَّى الله عليه وسَلَّم - لئلا يهوي إليه أحد من المشركين، فوالله ما دنا منا أحد إلا أبو بكر، شاهر بالسيف على رسول الله - صَلَّى الله عليه وسَلَّم - لا يهوي إليه أحد إلا أهوى إليه".

- 13 -

ارتحال جيش قريش في اتجاه ماء بدر

وارتحلت قريش حين أصبحت متجهة شطر ماء بدر، وأقبلت بكبرها وخيلائها وفخرها وعددها وعدتها.

وصعدت الكثيب الفاصل، ثم صوبت منه إلى الوادي نحو قلب ماء بدر.

فلما رآها رسول الله - صَلَّى الله عليه وسَلَّم - تصوب مقبلة نحو الوادي، قال: ((اللهم هذه قريش قد أقبلت بخيلائها، وفخرها، تحادك، وتكذب رسولك، اللهم فنصرك الذي وعدتني، اللهم أحنهم الغداة)).

أحنهم الغداة: أي: اجعل هلاكهم وقت الغداة، والحين في اللغة هو الهلاك.

ورأى رسول الله - صَلَّى الله عليه وسَلَّم - عتبة بن ربيعة في القوم على جمل له أحمر، فقال: ((إن يكن في أحد من القوم خير فعند صاحب الجمل الأحمر، إن يطيعوه يرشدوا)).

نزول جيش قريش في الوادي تجاه معسكر المسلمين:

فلما هبطوا إلى الوادي نزلوا منزلاً مواجِهًا لمنزل جيش المسلمين، وأقبل نفر منهم ليردوا الماء، فلم يجدوا غير حوض المسلمين، فأقبلوا ليشربوا منه.

فأراد المسلمون منعهم، فقال لهم رسول الله - صَلَّى الله عليه وسَلَّم - ((دعوهم)) فشربوا.

فكان من أمر هؤلاء الشاربين أنه ما شرب من الحوض رجل منهم يومئذ إلا قتل، باستثناء حكيم بن حزام، فإنه لم يقتل، ثم أسلم بعد ذلك، فحسن إسلامه.

لقد علم الله أن في قلبه خيرًا فحماه من القتل ليسلم فيما بعد.

فكان حكيم بن حزام إذا اجتهد في يمينه قال: "لا، والذي نجاني من يوم بدر".

ثم منع المسلمون المشركين من ورود الحوض، فأقبل الأسود بن عبدالأسد المخزومي، وكان رجلاً شرسًا سيء الخلق، فقال: "أعاهد الله لأشربن من حوضهم، أو لأهدمنَّه، أو لأموتنَّ دونه".

فلما دنا من الحوض، خرج إليه حمزة بن عبدالمطلب، فلما التقيا ضربه حمزة بسيفه، فبتر قدمه بنصف ساقه، فطارت ولها طنين.

فوقع على ظهره تشخَب رجله دمًا، ثم حبَا إلى الحوض حتى اقتحم فيه، يريد أن يَبَرَّ يمينه، وأتبعه حمزة فضربه حتى قتله في الحوض.

- 14 -

عمير بن وهب الجمحي يطوف حول معسكر المسلمين ليتعرف مقدار قوتهم

لما اطمأن جيش قريش في منزله، رأوا أن يبعثوا من يستطلع لهم، ليُقدِّر لهم بنظره عدد المسلمين وعدتهم.

فبعثوا عمير بن وهب الجمحي، وقالوا له: احرز "أي: قدِّر" لنا أصحاب محمد.

فاستجال عمير بفرسه حول العسكر، ثم رجع إليهم فقال: "ثلاثمائة رجل، يزيدون قليلاً أو ينقصون، ولكن أمهلوني حتى أنظر ألِلقوم كمين أو مدَد".

فانطلق على فرسه في الوادي حتى أبعَد، فلم ير شيئًا، فرجع إليهم فقال: "ما وجدت شيئًا، ولكني قد رأيت - يا معشر قريش - البلايا تحمل المنايا، نواضح يثرب تحمل الموت الناقع، قوم ليس معهم منعة ولا ملجأ إلا سيوفهم، والله ما أرى أن يقتل رجل منهم، حتى يقتل رجلاً منكم، فإذا أصابوا منكم أعدادهم فما خير العيش بعد ذلك؟ فرَوْا رأيَكم".

- 15 -

آراء تطرح بين المشركين للكفِّ عن مقاتلة المسلمين

لما سمع حكيم بن حزام ما قاله عمير بن وهب الجمحي مشى بين القوم محاولاً صرف الناس عن محاربة المسلمين، فأتى عتبة بن ربيعة فقال له: يا أبا الوليد، إنك كبير قريش وسيدها، والمطاع فيها، هل لك إلى أن لا تزال تذكر فيها بخير إلى آخر الدهر؟

قال: وما ذاك، يا حكيم؟

قال: ترجع بالناس.

قال: قد فعلت، فأت ابن الحنظلية "يعني أبا جهل، والحنظلية أمه"؛ فإني لا أخشى أن يشجر "أي: يثير الشجار والخصام" أمر الناس غيره، وتعهد عتبة بأن يتحمل دية عمرو بن الحضرمي الذي قتله المسلمون، وما أصيب من ماله، لأخيه عامر بن الحضرمي حليفه [8].

ثم قام عتبة بن ربيعة خطيبًا، فقال: "يا معشر قريش، إنكم، والله، ما تصنعون بأن تلقوا محمدًا وأصحابه شيئًا، والله إن أصبتموه لا يزال الرجل ينظر في وجه رجل يكره النظر إليه، قتل ابن عمه، أو ابن خاله، أو رجلاً من عشيرته، فارجعوا وخلوا بين محمد وبين سائر العرب، فإن أصابوه فذاك الذي أردتم، وإن كان غير ذلك ألفاكم ولم تعرضوا منه ما تريدون".

قال حكيم بن حزام: "فانطلقت حتى جئت أبا جهل، فوجدته قد نثل (= أخرج) دِرعًا له من جرابها، فهو يهيئها، فقلت له: يا أبا الحكم، إن عتبة أرسلني إليك بكذا وكذا للذي قال".

فقال: "انتفخ والله سحْره [9] حين رأى محمدًا وأصحابه، "أي: جبن، والسحْر الرئة، وهذه العبارة تقال لمن عدا طوره وجاوزه قدره".

كلا، والله لا نرجع حتى يحكم الله بيننا وبين محمد، ما بعتبة ما قال، ولكنه قد رأى أن محمدًا وأصحابه أكلة جزور، وفيهم ابنه فقد تخوفكم عليه".

ثم بعث أبو جهل إلى عامر بن الحضرمي [10] حليف عتبة يقول له: هذا حليفك يريد أن يرجع بالناس، وقد رأيت ثأرك بعينك، فقم فانشد خفرتك "أي: اطلب من قريش الوفاء بعهدهم لكم"، ومقتلَ أخيك.

فقام عامر بن الحضرمي فاكتشف ثم صرخ: واعمراه، واعمراه، فحميَت الحرب، واشتد القوم، واجتمعوا على ما هم عليه من الشر، وأفسد على الناس الرأي الذي دعاهم إليه عتبة.

ثم التمس عتبة بيضة يلبسها في رأسه، وهي خوذة الحرب، فما وجد بيضة يدخل رأسه فيها لعظم هامته، فلما رأى ذلك تعمم ببرد له على رأسه معتجرًا.

- 16 -

التهيؤ للمواجهة

واصطف المسلمون، وأقبل رسول الله - صَلَّى الله عليه وسَلَّم - يعدل صفوفهم بقدح (سهم) كان في يده.

وكان ذلك يوم الجمعة، السابع عشر من شهر رمضان من السنة الثانية من الهجرة.

ومرَّ الرسول - صَلَّى الله عليه وسَلَّم - برجل من المسلمين اسمه: سواد بن غزية، حليف بني عدي بن النجار، فرآه متقدمًا على الصف، فطعن في بطنه بالقدح، وقال له: ((استوِ، يا سواد)).

فقال: يا رسول الله، أوجعتني، وقد بعثك الله بالحق والعدل، فأقدني "أي: دعني أقتص منك".

فكشف رسول الله - صَلَّى الله عليه وسَلَّم - عن بطنه، وقال له: ((استقد)) فأقبل سواد فاعتنقه فقبل بطنه.

فقال له رسول الله - صَلَّى الله عليه وسَلَّم -: ((ما حملك على هذا، يا سواد؟)).

قال: يا رسول الله، حضر ما ترى، فأردت أن يكون آخر العهد بك أن يمسَّ جلدي جلدك.

فدعا له رسول الله - صَلَّى الله عليه وسَلَّم - بخير.

ولما أتم الرسول تعديل الصفوف، رجع إلى العريش فدخله، ومعه فيه أبو بكر الصديق، ليس معه فيه غيره.

- 17 -

نهي الرسول المسلمين عن قتل بعض أفراد من جيش قريش

ما تعرفه القيادة وتخطط له وتدبره لا يعرفه عامة الناس وأفراد الجند؛ فقد يكون في جيش العدو أهل ولاء للقائد ولأتباعه، أو عيون له استبقاهم في صف العدو، ليزودوه بالأخبار، وليخذلوا عنه ما استطاعوا، وليس من مصلحة القيادة أن تفصح عن حقيقتهم لئلا يتسرَّب الأمر إلى العدو فتفسد الخطة، ويصيب أهل الولاء من العدو بلاء.

وقد يكون في صف العدو من له سابقة خير، ولا شر منه ويمكن أن يكون عنصرًا مفيدًا في المستقبل، فمن الخير أن تصنع له حماية مكافأة على ما كان منه من خير.

لهذا ولنحوه نهى الرسول - صَلَّى الله عليه وسَلَّم - المسلمين يوم بدر عن قتل بعض أفراد في جيش قريش.

فقد روى ابن إسحاق عن ابن عباس أن النبي - صَلَّى الله عليه وسَلَّم - قال لأصحابه يوم بدر: ((إني عرفت أن رجالاً من بني هاشم وغيرهم قد أخرجوا كرهًا لا حاجة لهم بقتالنا، فمن لقي منكم أحدًا من بني هاشم فلا يقتله، ومن لقي أبا البختري بن هشام بن الحارث بن أسد فلا يقتله "واسمه: العاص"، ومن لقي العباس بن عبدالمطلب، عم رسول الله - صَلَّى الله عليه وسَلَّم - فلا يقتله،
فإنه إنما خرج مستكرهًا)).

وكان الرسول - صَلَّى الله عليه وسَلَّم - قد هاجر يوم هاجر وهو راضٍ عن عمه العباس، قال أبو رافع - مولى رسول الله - صَلَّى الله عليه وسَلَّم -: كنت غلامًا للعباس، وكان الإسلام قد دخلنا أهل البيت، فأسلم العباس، وأسلمَت أم الفضل، وأسلمْتُ، وكان العباس يكتم إسلامه.

وبنو هاشم آزروه ونصروه وتحملوا من أجله مقاطعة قريش لهم، وانحصروا في الشعب من أجله ثلاثة أعوام، حتى جهدوا وأكلوا ورق الشجر.

وكان أبو البختري العاص بن هاشم أكف القوم عن رسول الله - صَلَّى الله عليه وسَلَّم - وهو بمكة، وكان لا يؤذيه، ولا يبلغه عنه شيء يكرهه، وكان ممن قام في نقض الصحيفة التي كتبت قريش على بني هاشم وبني المطلب.

وسمع المسلمون نهي الرسول - صلى الله عليه وسلم - عن قتل هؤلاء النفر، وغاب عن بعضهم أن ما تعرفه القيادة ولا تريد أن تفصح عنه لا يعرفه عامَّة الناس.

فقال أبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة: أنقتل آباءنا وأبناءنا وإخواننا وعشيرتنا ونترك العباس، والله لئن لقيته لألجمنَّه السيف".

فبلغت هذه الكلمة رسول الله - صَلَّى الله عليه وسَلَّم - فقال لعمر بن الخطاب: ((يا أبا حفص، أيضرب وجه عمِّ رسول الله - صَلَّى الله عليه وسَلَّم - بالسيف)).

قال عمر: يا رسول الله، دعني فلأضرب عنقه بالسَّيْف، فوالله لقد نافق، فأبَى رسول الله، وغفر له ما بدر منه.

وقال عمر: والله، إنه لأول يوم كناني فيه رسول الله - صَلَّى الله عليه وسَلَّم - بأبي حفص.

وتراجع أبو حذيفة عن مقالته، وتاب منها، وكان يقول: ما أنا بآمن من تلك الكلمة التي قلت يومئذ، ولا أزال منها خائفًا، إلاَّ أن تكفرها عني الشهادة، فقتل يوم اليمامة شهيدًا.

وأما أبو البختري العاص بن هشام فقد لقيه من المسلمين في المعركة المجذر بن زياد البلوي حليف الأنصار.

فقال المجذر لأبي البختري: إن رسول الله - صَلَّى الله عليه وسَلَّم - نهانا عن قتلك.

وكان مع أبي البختري زميل له "أي: يركب معه على بعير واحد" قد خرج معه من مكة، وهو جنادة بن مليحة بنت زهير من بني ليث.

فقال أبو البختري: وزميلي؟

فقال له المجذر: لا والله، ما نحن بتاركي زميلك، ما أمرنا رسول الله - صَلَّى الله عليه وسَلَّم - إلا بك وحدك.

فقال أبو البختري: لا والله، إذن لأموتن أنا وهو جميعًا، لا تتحدث عني نساء مكة أني تركت زميلي حرصًا على الحياة.

ونازله المجذر وقاتله حتى قتله.

ثم إن المجذر أتى رسول الله - صَلَّى الله عليه وسَلَّم - فقال: "والذي بعثك بالحق، لقد جهدت عليه أن يستأسر فآتيك به، فأبى إلاَّ أن يقاتلني، فقاتلته، فقتلته".

- 18 -

بدء القتال

ثم بدأ القتال بالمبارزة، وفق التقليد المتبع في الحروب القديمة؛ فخرج من صفوف جيش قريش ثلاثة:

1 - عتبة بن ربيعة متوسطًا.

2 - وأخوه شيبة بن ربيعة.

3 - وابنه الوليد بن عتبة بن ربيعة، "عن يمين عتبة وشماله".

فدعا عتبة إلى المبارزة.

فخرج إليهم ثلاثة فتية من الأنصار، هم:

1 - عوف بن الحارث.

2 - ومعوذ بن الحارث، "وأمهما عفراء".

3 - ورجل يقال: هو عبدالله بن رواحة.

فقال القرشيون: من أنتم؟

فقالوا: رهط من الأنصار.

قالوا: ما لنا بكم من حاجة.

وقال عتبة حين انتسَبوا: أكفاء كرام، إنما يزيد قومنا.

ثم نادَى منادِي قريش: يا محمد، أخرج إلينا أكفاءنا من قومنا.

فقال رسول الله - صَلَّى الله عليه وسَلَّم -: ((قم، يا عبيدة بن الحارث، وقم، يا حمزة، وقم، يا علي)).

فلما قاموا ودنوا منهم، قال طالبوا المبارزة من قريش: من أنتم؟

قال عبيدة: عبيدة.

وقال حمزة: حمزة.

وقال علي: علي.

قالوا: نعم، أكفاء كرام.

فبارز عبيدةُ - وكان أسن القوم - عتبةَ بن ربيعة.

وبارز حمزة شيبة بن ربيعة.

وبارز عليٌّ الوليدَ بن عتبة.

فأما حمزة فلم يمهل شيبة أن قتله. وأما علي فلم يمهل الوليد أن قتله، واختلف عبيدة وعتبة بينهما ضربتين، كلاهما أثبت صاحبه بجراحة لم يقم معها، وكر حمزة وعلي بأسيافِهِما على عتبة فذففا عليه "أي: أتما قتله"، واحتملا عبيدة ونقلاه إلى أصحابه، وقد قطعت رجله، ومات بعد نحو أربعة أيام والمسلمون في طريقهم راجعين إلى المدينة.

- 19 -

التحام القتال

ثم تزاحف الجيشان، ودنا بعضهم من بعض وقاد الرسول المعركة بنفسه، وأمر رسول الله - صَلَّى الله عليه وسَلَّم - أصحابه أن لا يحملوا على عدوهم حتى يأمرهم، وأن يصدوا هجمات المشركين وهم مرابطون في مواقفهم، وأن ينضحوهم بالنبل إن أحاطوا بهم.

فقال الرسول لهم: ((إن اكتنفكم القوم فانضحوهم عنكم بالنبل)) أي: إن أحاطوا بكم، فارموهم بالنبال.

وكان شعار المسلمين يوم بدر: أحَد، أحَد.

ورُمِي "مهجع" مولى عمر بن الخطاب بسهم فقتل، فكان أول قتيل من المسلمين في بدر.

ورمي "حارثة بن سراقة" أحد بني عدي بن النجار - وهو يشرب من الحوض - بسهم فأصاب نحره، فقتله.

وأقبل رسول الله - صَلَّى الله عليه وسَلَّم - إلى أصحابه فحرضهم على قتال عدوهم بصدق وصبر وشجاعة، فقال لهم: ((والذي نفسي بيده، لا يقاتلهم اليوم رجل فيقتل صابرًا محتسبًا، مقبلاً غير مدبر إلا أدخله الله الجنة، قوموا إلى جنة عرضها السماوات والأرض)).

فقال عمير بن الحمام، أخو بني سلمة - وفي يده تمرات يأكلهن -: بخ بخ، أفما بيني وبين أن أدخل الجنة إلا أن يقتلني هؤلاء؟

ثم قذف التمرات من يده، وأخذ سيفه، وقاتل القوم حتى قتل [11].

وقال "عوف بن الحارث": يا رسول الله، ما يُضحِك الرب من عبده؟ "أي: ما يرضيه من عبده غاية الرضى"، قال: ((غمسه يده في العدو حاسرًا)) فنزع عوف درعًا عليه فقذفها، ثم أخذ سيفه فقاتل القوم حتى قتل.

وانصرف الرسول - صَلَّى الله عليه وسَلَّم - إلى العريش ومعه أبو بكر الصديق، ليس معه فيه غيره، وقام سعد بن معاذ مع كتيبة الحراسة يحرس رسول الله - صَلَّى الله عليه وسَلَّم - على باب العريش.

وجعل رسول الله - صَلَّى الله عليه وسَلَّم - يناشد ربه ما وعده من النصر، ويقول فيما يقول: ((اللهم إن تهلك هذه العصابة اليوم لا تعبد، اللهم إن شئت لم تعبد بعد اليوم أبدًا)).

وبالغ الرسول في الابتهال ومد يديه إلى السماء، حتى سقط رداؤه عن منكبيه، وأبو بكر يقول: يا بني الله، بعض مناشدتك ربك، فإن الله منجز لك ما وعدك، حسبك، يا رسول الله، ألححْتَ على ربك، وأخذ رداءه فألقاه على منكبيه، ثم التزمه من ورائه.

وخفق رسول الله - صَلَّى الله عليه وسَلَّم - خفقة وهو في العريش "أي: نام نومة يسيرة" ثم انتبه، فقال: ((أبشر، يا أبا بكر، أتاك نصر الله، هذا جبريل آخذ بعنان فرس يقوده، على ثناياه النقع))، أي: الغبَار.

والتَحَم الجيْشان، واشتد القتال، وحمِي الوطِيس، واندفع أصحاب الرسول ببسالة منقطعة النظير.

وقال أبو جهل يدعو الله: اللهم أقطعنا للرحم، وآتانا بما لا يعرف فأحِنه الغداة "أي: فأهلكه الغداة".

فاستجاب الله دعاءه فكان مع قتلى المشركين، وأنزل الله بشأنه وبشأن أمثاله قوله في سورة الأنفال:
{إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ وَإِنْ تَنْتَهُوا فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَعُودُوا نَعُدْ وَلَنْ تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئًا وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ} [الأنفال: 19].

وأقبل رسول الله - صَلَّى الله عليه وسَلَّم - فأخذ حفنة من الحصباء، فاستقبل قريشًا بها، ثم قال: ((شاهت الوجوه))، ثم نفحهم بها، واصابتهم الحصباء بتقدير الله، وقال الرسول لأصحابه: ((شدوا))، واستحر القتل في المشركين، وأنزل الله في ذلك قوله في سورة الأنفال:
{فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلَاءً حَسَنًا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [الأنفال: 17]، أي: وما أصبت من رمية إذ رميت، ولكن الله هو الذي أصاب.

وشارك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في القتال؛ فقد روى الإمام أحمد بسنده عن علي قال: "لقد رأيتنا يوم بدر، ونحن نلوذ برسول الله - صَلَّى الله عليه وسَلَّم - وهو أقربنا من العدو، وكان من أشد الناس يومئذ بأسًا".

وروى البخاري بسنده عن ابن عباس، أن رسول الله - صَلَّى الله عليه وسَلَّم - خرج من العريش يوم بدر، وهو يثِب في الدرع، ويقول:
{سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ * بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ} [القمر: 45، 46].

واستجاب الله لرسوله استغاثته، فأمد المسلمين بالملائكة، وذكرت سورة الأنفال أن عددهم كان ألفًا، ليلقوا الرعب بأعدادهم في قلوب المشركين، وليثبتوا المؤمنين، وليطمئنوا قلوبهم، وأما ما كان من الملائكة من قتال فإنما كان قتالاً محدودًا جدًّا، وفي حدود قوى المقاتلين من الناس، لا بقوى ملائكية.

قال الله عَزَّ وَجَلَّ في سورة الأنفال:
{إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ * وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [الأنفال 9، 10]، و"مردفين، أي: متلاحقين يتبع بعضهم بعضًا".

وقال فيها أيضًا:
{إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آَمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ * ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ * ذَلِكُمْ فَذُوقُوهُ وَأَنَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابَ النَّارِ} [الأنفال: 12، 14].

وثبت في صحيح الأحاديث ما يدل على أن بعض الملائكة قد قاتل يوم بدر مع المؤمنين، تثبيتًا لقلوبهم، مقاتلة مشابهة لقتال الناس.

فقد روى مسلم في صحيحه عن ابن عباس قال: "بينما رجل من المسلمين يشتد في أثر رجل من المشركين أمامه، إذ سمع ضربة بالسوط فوقه، وصوت الفارس يقول: أقدم حيزوم "اسم فرس هذا الملك"، فنظر إلى المشرك أمامه، فخر مستلقيًا، فنظر إليه فإذا هو قد خطم أنفه، وشق وجهه كضربة السوط، فاخضر ذلك أجمع.

فجاء الأنصاري فحدَّث بذلك رسول الله - صَلَّى الله عليه وسَلَّم - فقال: ((صدَقْت، ذلك من مدد السماء الثالثة))، فقتلوا يومئذ سبعين، وأسروا سبعين.. إلى آخر الحديث".

خطم أنفه: أي: ضرب أنفه، فكان على الأنف أثر من الضرب.

فاخضر ذلك أجمع: أي: ظهر على أنفه ووجهه من أثر الضربة خضرة ضاربة إلى السواد، وهذه تحدث من تجمُّع الدم تحت الجلد، بسبب نزيف الأوعية الدموية.

وقال أبو داود "عمرو المازني": إني لأتبع رجلاً من المشركين لأضربه، إذ وقع رأسه قبل أن يصل إليه سيفي، فعرفت أنه قد قتله غيري.

وروى ابن إسحاق عن ابن عباس قال: "لم تضرب الملائكة في يوم سوى يوم بدر، وكانوا يكونون عددًا ومددًا لا يضربون".

وكان المشركون قد استشاطوا غضبًا بعد مقتل عتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، والوليد بن عتبة، وكروا على المسلمين كرة رجل واحد، واحتدم القتال، وبدأ الاضطراب والفشل في صفوف المشركين، واستبسل المسلمون في ملاحقتهم، وأخذت جموع المشركين في الفرار، وركب المسلمون ظهورهم يأسرون ويقتلون، حتى تمت الهزيمة، وكتب الله النصر لأوليائه على أهل الشرك، وكان يوم بدر يوم الفرقان.

وجاء رجل من الأنصار بالعباس بن عبدالمطلب أسيرًا فقال العباس: إن هذا، والله، ما أسرني، لقد أسرني رجل أجلح من أحسن الناس وجهًا على فرس أبلق، وما أراه في القوم.

فقال الأنصاري: أنا أسرته، يا رسول الله.

فقال الرسول له: ((اسكت، فقد أيدك الله بملك كريم)).

وروى الطبري بسنده عن علي قال: ((نزل جبريل في ألف من الملائكة، عن ميمَنة النبي - صَلَّى الله عليه وسَلَّم - وفيها أبو بكر، ونزل ميكائيل في ألف من الملائكة، عن ميسرة النبي - صَلَّى الله عليه وسَلَّم - وأنا فيها)).

- 20 -

أحداث يوم بدر

1 - ظهر إبليس للمشركين يوم بدر مع جند من الشياطين، ومعه رايته، وقد جاء إبليس في صورة "سراقة بن مالك بن جعشم المدلجي"، وكان من أشراف بني كنانة، وجاء جند إبليس من الشياطين معه في صورة ناس، يقول سراقة عنهم: إنهم رجال كنانة، وجعل إبليس المتمثل بصورة سراقة يشجعهم على قتال المسلمين، ويقول لهم: إني مع قومي كنانة جار لكم.

روى الطبراني بسنده عن ابن عباس قال: جاء إبليس يوم بدر، في جند من الشياطين، معه رايته، في صورة رجل من بني مدلج، في صورة سراقة بن مالك بن جعشم.

فقال الشيطان للمشركين: لا غالب لكم اليوم من الناس، وإني جارٌ لكم.

فلما اصطف الناس، أخذ رسول الله - صَلَّى الله عليه وسَلَّم - قبضة من التراب، فرمى بها في وجوه المشركين، فولوا مدبِرين.

وأقبل جبريل إلى إبليس، فلما رآه، وكانت يده في يد رجل من المشركين، انتزع إبليس يده، فولى مدبرًا هو وشيعته.

فقال الرجل: يا سراقة، تزعم أنك لنا جار؟

قال: "إني أرى ما لا ترون، إني أخاف الله، والله شديد العقاب"، وذلك حين رأى الملائكة.

وأنزل الله قوله في سورة الأنفال:
{وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ} [الأنفال: 48]، ونكص: رجع القهقري على قفاه هاربًا، يقال: نكص ينكُص وينكِص نكوصًا.

2 - لما بدأت صفوف جيش قريش تضطرب، أقبل أبو جهل يستحث قومه ويشجعهم، ويقول لهم: لا يهزمنكم خُذلان سراقة إيَّاكم، فإنه كان على ميعاد من محمد، ولا يهولنكم قتل عتبة وشيبة والوليد، فإنهم قد عجلوا، فواللات والعزى لا نرجع حتى نقرنهم بالحبال.

ولا ألفين رجلاً منكم قتل منهم رجلاً، ولكن خذوهم أخذًا حتى نعرِّفهم بسوء صنيعهم.

وتصدَّعت صفوف المشركين، وبقي حول أبي جهل عصابة من قومه تحمِيه.

ثم انفرَجَت عنه العصابة، ورآه المسلمون يجول على فرسه، وأدركه القضاء والقدر، على يدي اثنين من الفتيان حديثِي السِّن.

يقول عبدالرحمن بن عوف: إني لفي الصَّف يوم بدر، إذ التفت، فإذا عن يميني وعن يساري فتيَان حديثَا السن.

فكأني لم آمن بمكانهما، إذ قال لي أحدهما سِرًّا من صاحبه: يا عم، أرني أبا جهل.

فقلت: يا ابن أخي، فما تصنع به؟

قال: أخبِرت أنه يسب رسول الله - صَلَّى الله عليه وسَلَّم - والذي نفسي بيده، لا يفارق سوادي سواده، حتى يموت الأعجَل منا.

قال عبدالرحمن بن عوف: فتعجَّبت لذلك.

قال: وغمزني الآخر، فقال لي مثلها، فلم أنشب أن نظرت إلى أبي جهل يجول في الناس.

فقلت: ألا تريان؟ هذا صاحبكما الذي تسألاني عنه.

فابتدراه بسيفهما، فضرباه حتى قتلاه، ثم انصرفا إلى رسول الله - صَلَّى الله عليه وسَلَّم - فقال لهما: ((أيكما قتله؟)).

فقال كل واحد منهما: أنا قتلته.

قال: ((هل مسحتما سيفيكما؟)).

فقالا: لا.

فنظر رسول الله - صَلَّى الله عليه وسَلَّم - إلى السيفين فقال: ((كلاكما قتله)).

أما الفتيان اللذان قتلاه فهما الأنصاريان: "معاذ بن عمرو بن الجموح" و"معاذ بن عفراء"، وفي رواية: "معوذ بن عفراء" بدل معاذ بن عمرو.

أما معاذ بن عفراء فقد استشهد في بدر، فقضى رسول الله - صَلَّى الله عليه وسَلَّم - بسلب أبي جهل لمعاذ بن عمرو بن الجموح.

وروى البخاري عن عبدالله بن مسعود، أنه أتى أبا جهل وبه رمق يوم بدر.

فقال أبو جهل: "هل أعمد [12] من رجل قتلتموه"؟!

وروى البخاري عن أنس قال: قال النبي - صَلَّى الله عليه وسَلَّم - يوم بدر: ((من ينظر ما فعل أبو جهل))؟

فانطلق ابن مسعود، فوجده قد ضربه ابنا عفراء حتى برد، فأخذ بلحيته، فقال: أنت؟ أبا جهل "أي: يا أبا جهل".

قال: وهل فوق رجل قتله قومه؟ أو قال: قتلتموه؟

وجاء في رواية عمرو بن ميمون عند الطبراني عن ابن مسعود قال: ((أدركت أبا جهل يوم بدر صريعًا، فقلت: أي عدو الله، قد أخزاك الله؟

قال: وبما أخزاني، من رجل قتله قومه"؟!

وجاء في حديث ابن عباس، عن ابن إسحاق والحاكم:

قال ابن مسعود: فوجدته بآخر رمق، فوضعت رجلي على عنقه، فقلت: أخزاك الله، يا عدو الله؟ قال: وبما أخزاني، هل أعمد من رجل قتلتموه؟!

وروي أن أبا جهل قال: لو غير أكار قتلني، أي: لو غير زارعٍ، لقد استكبر أن يقتله زارع.

وروى ابن إسحاق عن معاذ بن عمرو بن الجموح، قال: سمعت القوم يقولون: أبو الحكم لا يخلص إليه، وكان في مثل الحرجة "= الشجر الملف - أي: قد أحاط به من يحميه من قومه".

قال معاذ: فلما سمعتها جعلته من شأني، فصمدت نحوه، فلما أمكنني حملت عليه، فضربته ضربة أطنت قدمه "أي: أطارتها ولها طنين" بنصف ساقه، فوالله ما شبهتها حين طاحت إلا بالنواة تطيح من تحت مرضخة النوى حين يضرب بها.

قال: وضربني ابنه عكرمة على عاتقي فطرح يدي، فتعلقت بجلدة من جنبي، وأجهضني القتال عنه، فلقد قاتلت عامة يومي وإني لأسحبها خلفي، فلما آذتني وضعت عليها قدمي، ثم تمطيت بها عليها حتى طرحتها.

وقد عاش هذا البدري بعد ذلك حتى كان زمان عثمان.

وروي أن أبا جهل قال لعبدالله بن مسعود بعد أن وصل إليه وجرى ما جرى بينهما من حوار:

أخبرني لمن الدائرة اليوم؟

قال ابن مسعود: لله ورسوله.

ووضع ابن مسعود رجله على عنق أبي جهل، فقال له: "لقد ارتقيت مرتقى صعبًا يا رويعِي الغنم" [13].

ثم احتز ابن مسعود رأس أبي جهل، وجاء به إلى رسول الله - صَلَّى الله عليه وسَلَّم - فقال: يا رسول الله، هذا رأس عدو الله أبي جهل.

فقال: آلله الذي لا إله إلا هو؟ آلله الذي لا إله إلا هو؟ آلله الذي لا إله إلا هو؟ وكانت يمين رسول الله - صَلَّى الله عليه وسَلَّم -.

ثم ألقى برأسه إليه، فقال رسول الله - صَلَّى الله عليه وسَلَّم -: ((الله أكبر، الحمد لله الذي صدق وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده، انطلق أرنيه)).

قال ابن مسعود: فانطلقنا فأريته إياه، فقال: هذا فرعون هذه الأمة.

وفي رواية يونس عن عبدالرحمن بن عوف، أن النبي - صَلَّى الله عليه وسَلَّم - قال حين رأى أبا جهل صريعًا: ((الحمد لله الذي أعز الإسلام وأهله))؛ ثلاثًا.

3 - وحدَّث أن عبدالرحمن بن عوف يوم بدر، وقد دارت الدائرة على قريش، ومعه دروع قد استلبها، فهو يحملها، مر بأمية بن خلف وابنه علي بن أمية آخذ بيده، وكان أمية في مكة صديقًا لعبدالرحمن بن عوف.

فنادى أمية عبدالرحمن باسمه الجاهلي: "يا عبد عمرو" فلم يجبه، فقال له: يا عبد الإله "الاسم الذي اصطلحا عليه بعد أن أسلم عبدالرحمن".

فأجابه: نعم.

قال أمية: هل لك في، فأنا خير لك من هذه الأدراع التي معك؟

ما رأيت كاليوم قط، أما لكم حاجة في اللبن؟ (يدعوه إلى أن يأسره، ليحمي نفسه من أن يقتله غيره من المسلمين، ويفتدي نفسه بإبل كثيرة اللبن، تكون ثروة لابن عوف الذي أسره)، قال عبدالرحمن بن عوف: نعم، وطرح الأدراع التي استلبها، وأخذ أمية وابنه يمشي بهما أسيرين إلى رسول الله - صَلَّى الله عليه وسَلَّم -.

وسأل أمية بن خلف عبدالرحمن: من منكم الرجل المعلم بريشة النعامة في صدره؟

قال عبدالرحمن: ذاك حمزة بن عبدالمطلب.

قال أمية: ذاك الذي فعل بنا الأفاعيل.

قال عبدالرحمن بن عوف: فوالله إني لأقودهما، إذ رآه بلال معي، وكان أمية هو الذي يعذب بلالاً بمكة.

فقال بلال: رأس الكفر أمية بن خلف؟! لا نجوتُ إن نجا.

قلت: أي بلال، أسيري.

قال: لا نجوتُ إن نجا.

قلت: أتسمَع، يا ابن السوداء؟

قال: لا نجوْت إن نَجَا، ثم صرح بأعلى صوته: يا أنصار الله، رأس الكفر أميَّة بن خلف، لا نجوتُ إن نجا.

فأحاطوا به حتَّى جعلونا في مثل المسكة (المسكة = السوار أو الخلخال، أي: حتى أحدقوا بنا وجعلونا في حلقة من الناس كالسوار)، وأنا أذب عنه.

قال عبدالرحمن: فأخلف رجل السيف "أي: سله"، فضرب رجل ابنه فوقع، وصاح أمية صيحة ما سمعت مثلها قط.

فقلت: انج بنفسك ولا نجاءَ بك، فوالله، ما أغني عنك شيئًا، فهبروهما "أي: قطعوهما بأسيافهم" حتى فرغوا منهما.

فكان عبدالرحمن بن عوف يقول بعد ذلك: يرحم الله بلالاً، ذهبَت أدراعي، وفجعني بأسيريَّ.

4 - ومر عمر بن الخطاب بسعيد بن العاص، فقال له: إني أراك كأن في نفسك شيئًا، أراك تظن أني قتلت أباك، إني لو قتلته لم أعتذر إليك من قتله، ولكني قتلت خالي العاص بن هشام بن المغيرة.

فأما أبوك فإني مررت به وهو يبحث بحث الثور بروقه "أي: بقرنه" فحِدْت عنه، وقصد له ابن عمه علي فقتله.

5 - قال ابن إسحاق: وقاتل عكاشة بن محصن الأسدي، يوم بدر بسيفه حتى انقطع في يده.

فأتى رسول الله - صَلَّى الله عليه وسَلَّم- فأعطاه جذلاً من حطب "أي: أصل شجرة ذهبت عنه الفروع" فقال له: ((قاتل بهذا، يا عكاشة)).

فلما أخذه من رسول الله - صَلَّى الله عليه وسَلَّم - هزه فعاد سيفًا في يده طويل القامة، شديد المتن، أبيض الحديدة.

فقاتل به حتى فتح الله تعالى على المسلمين.

وكان ذلك السيف يسمى "العون"، ثم لم يزل عنده يشهد به المشاهد مع رسول الله - صَلَّى الله عليه وسَلَّم - حتى قتل في حروب الردة، قتله طليحة بن خويلد الأسدي.

6 - ونادى أبو بكر الصديق يوم بدر ابنه عبدالرحمن، وهو يومئذ مع المشركين، فقال له: أين مالي، يا خبيث؟

فقال عبدالرحمن:لَمْ يَبْقَ غَيْرُ شَكةٍ  وَيَعْبُوبِ        وَصَارِمٍ يَقْتُلُ ضَلالَ الشِّيبِ

شكة: الشكة هي السلاح.

ويعبوب: اليعبوب الفرس الكثير الجري.

وصارم: الصارم السيف القاطع.

7 - ولما وضع المسلمون أيديهم على أهل الشرك يأسرون منهم، وكان رسول الله - صَلَّى الله عليه وسَلَّم - في العريش، وسعد بن معاذ قائم على بابه يحرسه متوشحًا سيفه، رأى رسول الله - صَلَّى الله عليه وسَلَّم - في وجه سعد الكراهية لما يصنع الناس، فقال له: ((والله لكأنك، يا سعد، تكره ما يصنع القوم؟)).

قال سعد: أجل، والله، يا رسول الله، كانت أول وقعة أوقعها الله بأهل الشرك، فكان الإثخان في القتل بأهل الشرك أحب إلي من استبقاء الرجال.

وأنزل الله بشأن أسرى بدر مبينًا أن اتخاذ الأسرى لم يحن حينه بعد، ووجه اللوم على ذلك، فقال عَزَّ وَجَلَّ في سورة الأنفال:
{مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآَخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [الأنفال: 68].

حتى يثخن: أي: حتى تكون له قوة قوية غالبة، وقواعد ثابتة راسخة.

8 - ومر مصعب بن عمير بأخيه أبي عزيز بن عمير، فرآه أسيرًا يشد يده أحد الأنصار، فقال مصعب للأنصاري: شد يديك به، فإن أمه ذات متاع، لعلها تفديه منك.

فقال أبو عزيز لأخيه مصعب: أهذه وصاتك بي؟!

فقال له مصعب: إنه أخي دونك.

مبينًا له أن أخوة الإسلام أقوى من أخوة النسب.

9 - أخذ جسَد عتبة بن ربيعة ليقذف في القَلِيب الذي قذفت فيه أجساد طائفة من قتلى المشركين، فنظر الرسول - صَلَّى الله عليه وسَلَّم - في وجه ابنه أبي حذيفة، فإذا فيه حزن وكآبة، فقال له: ((يا أبا حذيفة، لعلك قد دخلك من شأن أبيك شيء))؟

فقال: لا والله يا رسول الله، ما شككت في أبي ولا مصرعه، ولكنني كنت أعرف في أبي رأيًا وحلمًا وفضلاً، فكنت أرجو أن يهديه ذلك إلى الإسلام، فلما رأيت ما أصابه، وذكرت ما مات عليه من الكفر بعد الذي كنت أرجو له، أحزنني ذلك، فدعا له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بخير، وقال له خيرًا.

- 21 -

حصاد المعركة

1 - حقق الله النصر العظيم الباهر للقلة المؤمنة على الكثرة الكافرة المستكبرة، وقتل في هذه المعركة صناديد قريش.

2 - كان حصاد قتلى المشركين سبعين رجلاً، وأسر منهم سبعون أسيرًا.

3 - واستشهد من المسلمين فيها أربعةَ عشَرَ رجلاً: ستة من المهاجرين، وثمانية من الأنصار.

4 - وفر مَن فرَّ من المشركين مذعورين خائفين؛ حيث وجدوا مفرًّا، لا يلوون على شيء، واتجهوا شطر مكة خزايا أذلاء.

5 - واجتمعت للمسلمين من عدوهم غنائم وأسلاب كثيرة.

6 - وأمر الرسول - صَلَّى الله عليه وسَلَّم - بنقل قتلى المشركين في مصارعهم، ودفن جيفهم، ومواراة أجسادهم في باطن الأرض، بعد أن وقف على القتلى، وقال: ((بئس العشيرة كنتم لنبيكم، كذبتموني وصدقني الناس، وخذلتموني ونصرني الناس، وأخرجتمُوني وآواني الناس)).

وروى البخاري عن أبي طلحة: "أن نبي الله - صَلَّى الله عليه وسَلَّم - أمر يوم بدر بأربعة وعشرين رجلاً من صناديد قريش، فقذفوا في طويٍّ [14] من أطواء بدر، خبيثٍ مخبثٍ.

وكان إذا ظهَر على قوم أقام بالعرصة ثلاث ليال، فلما كان ببدر اليوم الثالث أمر براحلته فشد عليها رحلها، ثم مشى واتَّبعه أصحابه وقالوا: ما نرى ينطلق إلا لبعض حاجته، حتى قام على شفة الركي [15] فجعل يناديهم بأسمائهم وأسماء آبائهم: ((يا فلان بن فلان، ويا فلان بن فلان، أيسرُّكم أنكم أطعتم الله ورسوله؟ فإنا وجدنا ما وعدنا ربنا حقًّا، فهل وجدتم ما وعد ربكم حقًّا))؟

قال: فقال عمر: يا رسول الله، ما تكلِّم من أجساد لا أرواح لها؟

فقال رسول الله - صَلَّى الله عليه وسَلَّم -: ((والذي نفس محمد بيده، ما أنتم بأسمعَ لما أقول منهم)).

وعند أحمد ومسلم من طريق ثابت عن أنس أن الرسول نادى عتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، وأمية بن خلف وأبا جهل بن هشام، فسمع عمر صوته فقال: يا رسول الله، أتناديهم بعد ثلاث، وهل يسمعون؟ ويقول الله تعالى:
{إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى} [النمل: 80]، فقال: ((والذي نفسي بيده، ما أنتم بأسمع لما أقول منهم، لكن لا يستطيعون أن يجيبوا)).

وعن عائشة قالت: لما أمر رسول الله - صَلَّى الله عليه وسَلَّم - بالقتلى أن يطرحوا في القَلِيب طرحوا فيه، إلا ما كان من أمية بن خلف، فإنه انتفخ في درعه فملأها، فذهبوا ليحركوه، فتزايل [16] لحمه فأقروه، والقوا عليه ما غيبه من التراب والحجارة.

- 22 -

وصول الأنباء إلى المدينة ومكة

أولاً - البشائر:

أرسل رسول الله - صَلَّى الله عليه وسَلَّم - عبدالله بن رواحة، وزيد بن حارثة، بشيرين يبشران أهل المدينة بنصر المسلمين على جيش قريش.

وكان اليهود والمنافقون قد أرجفوا بأن النبي - صَلَّى الله عليه وسَلَّم - قد قتل، فلما رأى أحد المنافقين زيد بن حارثة راكبًا ناقة رسول الله القصواء، قال: قتل محمَّد، وهذه ناقته نعرفها، وهذا زيد لا يدري ما يقول من الرعب، وجاء فلاًّ "أي: منهزمًا".

وبلَّغ الرسولان نبأ النصر المبين، والظفر العظيم، فأحاط بهما المسلمون، يسمعون منهما أنباء النصر، وعمَّت الفرحة، واهتزت أرجاء المدينة تهليلاً وتكبيرًا.

وانطلق ملأ منهم إلى طريق لاستقبال رسول الله - صَلَّى الله عليه وسَلَّم - والغازين معه، وتهنئتهم بما أكرمهم الله به من نصر على عدوهم.

وسار الرسول - صَلَّى الله عليه وسَلَّم - بجيشه قافلاً إلى المدينة، ومعه الأسرى.

وحين وصل إلى الصفراء أمر بقتل "النضر بن الحارث"، وكان حامل لواء المشركين يوم بدر، ومن عتاة مجرميهم، فضرب عنقَه علي بن أبي طالب.

وحين وصل إلى عرق الظبية أمر بقتل "عقبة بن أبي مَعِيط"، وهو من عتاة مشركي قريش ومجرميها، وكان قد تولَّى بنفسه إيذاء الرسول - صَلَّى الله عليه وسَلَّم - فألقى سلا الجزور على رأسه وهو في الصلاة، وحاول خنقه بردائه، وكاد يقتله، وذكره النبي - صَلَّى الله عليه وسَلَّم - بما كان منه حين اعترض على قتله دون الأسرى من قريش، وروي أن النبي - صَلَّى الله عليه وسَلَّم - قال له: ((لست من قريش، هل أنت إلا يهودي من أهل صفورية))؟

فقتله عاصم بن ثابت الأنصاري، وقيل: علي بن أبي طالب.

ولما وصل إلى الروحاء تلقاهم المستقبلون من المسلمين بالتهنئة والفرحة، فقال سلمة بن سلامة من البدريين: ما الذي تهنؤوننا به؟ فوالله إن لقينا إلا عجائز صلعًا كالبُدْن.

فتبسم رسول الله - صَلَّى الله عليه وسَلَّم - ثم قال: ((يا ابن أخي، أولئك الملأ)).

وقال أُسَيد بن حُضَير: يا رسول الله، الحمد الله الذي أظفرك، وأقر عينك، والله يا رسول الله، ما كان تخلُّفي عن بدر، وأنا أظن أنك تلقى عدوًّا، ولكن ظننت أنها عير، ولو ظنَنْت أنه عدو ما تخلَّفت.

فقال رسول الله - صَلَّى الله عليه وسَلَّم -: صدَقْت.

ودخل الرسول المدينة مظفرًا عزيزًا، وهابه كل عدو له في المدينة وما حولها، فأسلم بَشَر كثير من أهل المدينة، ويومئذ دخل عبدالله بن أبيِّ بن سلول وأصحابه في الإسلام منافقين.

ثانيًا- وَقْع نبأ الهزيمة على أهل مكة:

كان أوَّل من أخبر أهل مكة بمصاب قريش في بدر "الحيسمان بن عبدالله الخزاعي".

وذلك أنَّه لما وصل إلى مكة فارًّا قالوا له: ما وراءك؟

قال: قتل عتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، وأبو الحكم بن هشام، وأمية بن خلف، في رجال من زعماء قريش سماهم، وأخذ يعد أشراف قريش.

فقال صفوان بن أمية وهو قاعد في الحجر: والله، إن يعقل هذا، "أي: قد فقد عقله" فاسألوه عني.

فقالوا له: ما فعل صفوان بن أمية؟

قال: هاهو ذا جالس في الحجر، وقد، والله، رأيت أباه وأخاه حين قتلا.

وقال أبو رافع: وكان أبو لهب قد تخلَّف عن بدر، فلما جاءه الخبر كبته الله وأخزاه.

وكنت غلامًا للعبَّاس، وكان الإسلام قد دخلنا أهل البيت "أي: أهل بيت العباس"، فأسلم العباس وكتم إسلامه، وأسلمَت أم الفضل، وأسلمْتُ، ووجدنا في أنفسنا قوة وعزًّا، وكنت رجلاً ضعيفًا أعمل الأقداح، أنحتها في حجرة زمزم.

فوالله، إني لجالس فيها أنحت أقداحي، وعندي أم الفضل جالسة، وقد سرَّنا ما جاءنا من الخبر، إذ أقبل أبو لهب يجر رجليه بشَرٍّ، حتى جلس على طَنَب الحجرة، فكان ظهره إلى ظهري.

فبينما هو جالس إذ قال الناس: هذا أبو سفيان بن الحارث بن عبدالمطلب قد قدم.

فقال أبو لهب: هلم إليَّ، فعندك لعمري الخبر.

قال: فجلس إليه والناس قيام عليه.

فقال أبو لهب: يا ابن أخي، أخبرني: كيف كان أمر الناس؟

قال: ما هو إلاَّ أن لقينا القوم فمنحناهم أكتافنا، يقودوننا كيف شاؤوا، ويأسروننا كيف شاؤوا، وايم الله، مع ذلك ما لمت الناس، لقينا رجالاً بيضًا على خيل بُلْق بين السماء والأرض، والله ما تليق "ما تبقى" شيئًا، ولا يقوم لها شيء.

قال أبو رافع: فرفعت طَنَب الحجرة بيدي، ثم قلت: تلك، والله الملائكة.

فرفع أبو لهب يده فضرب بها وجهي ضربة شديدة، وثاورتُه "أي: ثبتُّ له" فاحتملني، فضرب بي الأرض، ثم برك عليَّ يَضرِبني، وكُنْت رجلاً ضعيفًا.

فقامت أم الفضل إلى عمود من عمد الحجرة، فأخذته فضربته به ضربة فلعت "أي: شقت" في رأسه شجَّةً منكرة، وقالت: أسْتَضْعَفْتَهُ أنْ غابَ عَنْهُ سَيِّدُهُ؟

فقام موليًا ذليلاً، فوالله، ما عاش إلا سبع ليال حتى رماه الله بالعدسة، "وهي قرحة قاتلة كالطاعون" فقتلته.

وناحت قريش على قتلاهم، ثم قالوا: لا تفعلوا فيبلغ محمدًا وأصحابه فيشمتوا بكم.

- 23 -

الغنائم

واختلف المسلمون في اقتسام الغنائم التي غنموها في بدر:

1 - فقال الشباب الذين اندفعوا يتعقَّبون فلول المشركين: نحن الذين نحَّيْنا العدو عن الغنائم وهزمناهم، ولولانا ما أصابها ما أصابها.

2 - وقال الَّذِين أحاطوا برسول الله ينافحون عنه: نحن الذين خفنا على رسول الله - صَلَّى الله عليه وسَلَّم - أن يُصِيب العدوُّ منه غرَّة، فاشتغلنا به عن جمع الغنائم.

3 - وقال الذين جمعوا الغنائم، نحن الذين استحوذنا عليها، وليس لأحد فيها نصيب.

وسألوا رسول الله بشأن الغنائم وكيفية تقسيمها:

فأمر رسول الله - صَلَّى الله عليه وسَلَّم - بأن تجمع الغنائم حتى يحكم الله فيها، فأنزل الله قوله في سورة الأنفال:
{يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} [الأنفال: 1].

وأنزل الله فيها:
{وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِنْ كُنْتُمْ آَمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [الأنفال: 41]، ويوم الفرقان هو: يوم معركة بدر.

واحتمل الرسول - صَلَّى الله عليه وسَلَّم - معه الغنائم والأنفال، وهو قافل بجيشه إلى المدينة، وجعل عليها عبدالله بن كعب.

فلما خرج من مضيق الصفراء نزل على كثيب، وقسم هنالك الغنائم على المسلمين بالتساوي، بعد أن أخذ منها الخمس، كما أمر الله.

- 24 -

الأسرى

لما بلغ الرسول - صَلَّى الله عليه وسَلَّم - المدينة، فرق الأسارى بين أصحابه، وقال: استوصوا بالأسارى خيرًا، وعمل المسلمون بوصية الرسول بهم.

ثم استشار الرسول أصحابه بشأنهم:

1 - فقال أبو بكر: يا رسول الله، هؤلاء بنو العم، والعشيرة، والإخوان، وإني أرى أن تأخذ منهم الفدية، فيكون ما أخذناه قوة لنا على الكفار، وعسى أن يهديهم الله فيكونوا لنا عضدًا.

فقال رسول الله - صَلَّى الله عليه وسَلَّم -: ((ما ترى، يا ابن الخطاب))؟

2 - فقال عمر بن الخطاب: والله، ما أرى ما رأى أبو بكر، ولكن أرى أن تمكنني من فلان - قريب لعمر - فأضرب عنقه.

وأن تمكن عليًّا من أخيه عقيل، فيضرب عنقه.

وأن تمكن حمزة من فلان أخيه فيضرب عنقه.

حتى يعلم الله أنه ليس في قلوبنا هوادة للمشركين، وهؤلاء صناديدهم، وأئمتهم، وقادتهم.

3 - وقال عبدالله بن رواحة:

 يتبع .../...
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
شجون الروح



عدد المساهمات : 67
نقاط : 108
السٌّمعَة : 1
تاريخ التسجيل : 31/05/2013
العمر : 28

مُساهمةموضوع: غزوة بدر الكبرى . عبر ودروس .   الأحد يوليو 28, 2013 1:09 am

يا رسول الله - صَلَّى الله عليه وسَلَّم – انظر واديًا كثير الحطب، فأدخلهم فيه، ثم أضرمه عليهم نارًا.
فدخل رسول الله - صَلَّى الله عليه وسَلَّم - ولم يردَّ عليهم شيئًا، ومكث ساعة ثم خرج، والصحابة ما بين قائل برأي أبي بكر، وقائل برأي عمر، وقائل برأي ابن رواحة.
فقال رسول الله - صَلَّى الله عليه وسَلَّم -: ((إن الله ليلين قلوب رجال فيه حتى تكون أليَن من اللِّين، وإن الله ليشدُد قلوب رجال فيه حتى تكون أشَدَّ مِن الحجارة، وإن مثلك، يا أبا بكر، كمثل إبراهيم قال: {أيفَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [إبراهيم: 36]، وكمثل عيسى قال: {إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [المائدة: 118]، وإن مثلك، يا عمر، كمثل نوح قال: {رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا} [نوح: 26]، وكمثل موسى قال: {رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ} [يونس: 88]، أنتم اليوم عالة "أي: فقراء"، فلا يفلتن أحد إلا بفداء أو ضربة عنق)).
فقال عبدالله بن مسعود: إلا سهيل بن بيضاء، فإني قد سمعته يذكر الإسلام.
فسكت النبي - صَلَّى الله عليه وسَلَّم -.
قال عبدالله: فما رأيتني في يوم أخوف أن تقع علي حجارة من السماء من ذلك اليوم، حتى قال النبي - صَلَّى الله عليه وسَلَّم -: ((إلا سهيل بن بيضاء)) فسُرِّي عنه.
ورجَّح النبي - صَلَّى الله عليه وسَلَّم - رأي الصديق لما جبل عليه قلبه من الرأفة والرحمة، وقبل أخذ الفداء مقابل إطلاق الأسرى.
ومن كان له أو لذويه مال افتدى بمال: بأربعة آلاف درهم فما دون ذلك إلى ألف درهم.
وقبل الرسول فداء بعض الأسرى ممن كان يحسن القراءة والكتابة، مقابل تعليمه عشرة غلمان من غلمان المسلمين القراءة والكتابة.
ومن الرسول على عدد من الأسرى دون فداء.
ومن على خِتْنه أبي العاص على أن يخلي سبيل ابنته زينب، فخلاها فهاجرت إلى المدينة، وقد تعرضت في هجرتها لأحداث مزعجة مؤلمة.
ووعد الله الأسرى الذين افتدوا أنفسهم بالتعويض عليهم إذا آمنوا وتابوا وأصلحوا ما في قلوبهم نحو الله ورسوله، وحذر الذين يريدون الخيانة بعد الافتداء، بأن الله الذي أمكن منهم في بدر قادر على أن يمكن منهم بعد أن يفتدوا أنفسهم من الأسر، فقال تعالى في سورة الأنفال لرسوله محمد - صَلَّى الله عليه وسَلَّم -: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرَى إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ * وَإِنْ يُرِيدُوا خِيَانَتَكَ فَقَدْ خَانُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} [الأنفال: 70، 71].


يتبع .../... 

 
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
شجون الروح



عدد المساهمات : 67
نقاط : 108
السٌّمعَة : 1
تاريخ التسجيل : 31/05/2013
العمر : 28

مُساهمةموضوع: غزوة بدر الكبرى ، عبر ودروس ( هوامش النص )   الأحد يوليو 28, 2013 1:25 am


الهوامش 

[1] ينفلكموها: أي: يجعلها غنيمة سهلة لكم، فتصيبونها نفلاً دون قتال شديد.

[2] كان بدل مرثد "أبو لبابة" في أول الطريق قبل أن يرده الرسول إلى المدينة من الروحاء؛ ليكون على أهلها.
[3] اقتباسًا من سيرة ابن هشام.
[4] القِيَان: الإماء المغنِّيَات.
[5] القُلُب: جمع قُلَيب، والقُلَيب: البئر إلى الماء.
[6] انظر: "محمد رسول الله"، لمحمد الصادق عرجون، طبعة دار القلم، 3/ 340.
[7] يقال لغةً: انتصف منه إذا استوفى حقه منه كاملاً.
[8] وكان ذلك في سرِيَّة عبدالله بن جحش.
[9] لما بلغت عتبة مَقالة أبي جهل فيه: "انتفخ والله سحْره"، قال: سيعلم مصفر اسْته من انتفخ سحره، أنا أم هو، مصفر استه: أي: داهنها بالطيب، أي: الجبان محب الدعة، أو هي شتيمة أنه غميز الرجولة.
[10] هو أخو عمرو بن الحضرمي المقتول في سرية عبدالله بن جحش.
[11] وروي أن الرسول قال له: ((ما يحملك على قول: بخ بخ؟)) قال: لا والله يا رسول الله، إلا رجاء أن أكون من أهلها، قال له: ((فإنك من أهلها)).
[12] جاء في "لسان العرب"، لابن منظور ما يلي في تفسير مقالة أبي جهل "أعمد من سيد قتله قومه": أي: أعجب، قال أبو عبيد: معناه هل زاد على سيد قتله قومه، هل كان إلاَّ هذا، أي: إن هذا ليس بعار، ومراده بذلك أن يهون على نفسه ما حل به من الهلاك، وأنه ليس بعار عليه أن يقتله قومه، وقال شمر: هذا استفهام، أي: أعجب من رجل قتله قومه؟
وقال ابن هشام: ويقال: أعار على رجل قتلتموه؟
وتأتي: "أعمد" في اللغة بمعنى أعجب.
[13] كان ابن مسعود من رعاة الغنم في مكة.
[14] طوي: البئر التي طويت، والجمع: أطواء.
[15] الركي: البئر.
[16] فتزايل لحمه: أي تفرق لحمه وتمزق.



 
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
كمال




عدد المساهمات : 211
نقاط : 567
السٌّمعَة : 1
تاريخ التسجيل : 19/04/2013

مُساهمةموضوع: رد: غزوة بدر الكبرى ، عبر ودروس.   الأحد يوليو 28, 2013 4:24 am


ببلوغنا اليوم السابع عشر من شهر رمضان الكريم 
يصادف ذلك ذكرى غزوة بدر الكبرى هذه الغزوة التي 
أصبحت من بين الحروب القديمة والحديثة  الاكثر تاثيرا في العالم  
وبشهادة العدو قبل الصديق ، لما لهذه الغزوة من استراتجية نادرة 
خطط لها رسول الله صلى الله عليه وسلم ضد قريش رغم العدد الكبير 
الذي كان يتباهى به كفار قريش آنذاك والذين كانوا يرون أنهم سيهزمون المسلمين 
بإعتبار قلة عددهم ، لكن حكمة سيد الخلق صلى الله عليه وسلم في تسيير تلك المعركة 
جعلت من العدو ينهزم اشر هزيمة وانتصر فيها الحق على الباطل .
بارك الله فيك اختي شجون الروح على هذه الافادة الرائعة لواحدة من اعظم الغزوات الاسلامية 
جزاك الله كل خير 

_________________


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://algeria-thakafa.moontada.com
oussama



عدد المساهمات : 192
نقاط : 382
السٌّمعَة : 4
تاريخ التسجيل : 23/04/2013
العمر : 26

مُساهمةموضوع: رد: غزوة بدر الكبرى ، عبر ودروس.   الأحد يوليو 28, 2013 9:42 pm

وما أدراك ما غزوة بدر الكبرى التي ضربت مثالا في التخطيط الاستراتيجي 
والعسكري الخارق الذي عجز العصر الحديث عن فك شفرات التخطيط العسكري الفذ 
ويكفي فخرا أن غزوة بدر الكبرى تعتبر فعلا من اعظم الحروب في العصر القديم والحديث
وهذا حسب شهادات لبعض المستشرقين الاوربيين في كتاباتهم 
شكرا شجون وبارك الله فيك على الافادة الرائعة 

_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
زهرة الجزائر



عدد المساهمات : 97
نقاط : 162
السٌّمعَة : 3
تاريخ التسجيل : 20/05/2013
العمر : 17

مُساهمةموضوع: رد: غزوة بدر الكبرى ، عبر ودروس.   السبت أغسطس 03, 2013 5:45 pm



 مجهود رائع تشكرين عليه شجون
جعله الله في ميزان حسناتك
تحياتي اليك حببتي ...اختك
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
المحب لدينه



عدد المساهمات : 59
نقاط : 69
السٌّمعَة : 0
تاريخ التسجيل : 10/05/2013

مُساهمةموضوع: رد: غزوة بدر الكبرى ، عبر ودروس.   الأحد أغسطس 04, 2013 5:42 pm

شكرا كثير اختي موضوع رائع يستحق التقييم
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
غزوة بدر الكبرى ، عبر ودروس.
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدى الابداع للثقافة والهوايات  :: القسم الاسلامي :: إسلاميات-
انتقل الى:  
المواضيع الأخيرة
أختر لغة المنتدى من هنا
سجل الزوار


هذه الرسالة تفيد أنك غير مسجل .

و يسعدنا كثيرا انضمامك لنا ...

للتسجيل اضغط هـنـا


Loading...